Insight Image

محفّزات الانقسام… ديناميات النزاعات العرقية داخل التنظيمات الإرهابية

14 يناير 2026

محفّزات الانقسام… ديناميات النزاعات العرقية داخل التنظيمات الإرهابية

14 يناير 2026

محفّزات الانقسام… ديناميات النزاعات العرقية داخل التنظيمات الإرهابية

تبدو التنظيمات الإرهابية لكثير من المتابعين، للوهلة الأولى عند ظهورها أو خلال ممارستها أنشطتها، وكأنها كيانات صلبة متماسكة قادرة على تتجاوز الانقسامات العرقية والإثنية، استنادًا إلى ركيزتها الأساسية المتمثّلة في الأيديولوجيا الفكرية التي تشكّل الرابط الأقوى داخلها، وتتقدّم على سائر الروابط الأخرى. فهذه الأيديولوجيا بالنسبة للجماعات المتطرفة والتنظيميات الإرهابية تُعدّ بمثابة البوتقة التي تُصهر فيها القوميات والعرقيات المختلفة، بما يُظهر التنظيم كتلة متجانسة ظاهريًا.

غير أنّ الواقع يكشف أن هذه التنظيمات تعاني صراعات عرقية داخلية عميقة، لكنها غالبًا ما تبقى مكتومة، ولا تبرز إلى السطح إلا بعد مرور فترة من الزمن، وخاصة عقب اكتمال مرحلة التأسيس الفكري وبلوغ قدر من الاستقرار التنظيمي. عندها تبدأ الخلافات الداخلية في الظهور، وغالبًا ما تتغذّى على التوترات والصراعات ذات الطابع العرقي، ولا يُلتفت إليها إلا حين تتحول إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، بما يهدّد بإحداث شرخ في البنيان التنظيمي قد يقود إلى انهياره ما لم تُتخذ الإجراءات اللازمة لاحتوائها، من قبل القيادات الفكرية.

وتتجذّر هذه “الصراعات العرقية” –وفق التوصيف التحليلي– في رغبة بعض المجموعات أو القيادات المنتمية إلى جنسية أو عرقية معيّنة في السيطرة على المواقع القيادية داخل التنظيم، وتوجيه مساره الفكري والعملياتي على نحو يخدم مصالحها الخاصة. ويأتي ذلك انطلاقًا من اعتقادها بأنها الأَولى بالقيادة، بالنظر إلى ما قدّمت –من وجهة نظرها– من تضحيات أسهمت في ظهور التنظيم وتكريس تواجده على الساحة. وغالبًا ما تُقابَل هذه النزعة برفض من المجموعات العرقية الأخرى داخل التنظيم، التي ترى فيها محاولة لاحتكار القرار التنظيمي لصالح فئة معيّنة، الأمر الذي يُشعل التوترات الداخلية وقد يقود إلى انقسامات تنظيميّة حادّة.[1]

كما أن تعاظم الدور العرقي والقبلي داخل التنظيمات الإرهابية أسهم في ظهور  ما يسمى الإرهاب القبَلي والى أدت إلي بروز  ظاهرة وسطاء الإرهاب القبليين، على غرار القيادات القبَلية التي تتولى التفاوض مع الارهابين للإفراج عن المختطفين مقابل مبالغ مالية، على غرار بعض القيادات القبلية من الطوارق، بالنظر  لعلاقتهم بجماعة أنصار الدين، التي يتكون معظم عناصرها تقريبًا من الطوارق، وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض القيادات القبلية من عرقية الفولاني، التي ينتمي إليها مقاتلو حركة تحرير ماسينا، حيث تستخدم تلك القيادات نفوذها القبلي داخل التنظيمات في لعب دور وسطاء الإرهاب[2].

هذا ما يطرح تساؤلات عدة حول أهم ملامح الصراعات العرقية داخل التنظيمات الإرهابية المختلفة، والتي تنشأ نتيجة صراعات بين جنسيات أو عرقيات مختلفة على القيادة والنفوذ داخل التنظيم، والتداعيات المحتملة لذلك على تماسك هذه التنظيمات في ظل تكرار هذه الصراعات بأشكال وأنماط مختلفة، لا سيما وأن الجماعات المتطرفة والتنظيمات الارهابية بشكل عام، تعد بطبيعتها انشطارية ونادرا ما تستطيع الحفاظ على وحدتها وتماسكها لفترة طويلة من الزمن، وكذلك تأثير ذلك على حالة الانفلات في المناطق التي تنشط فيها التنظيميات، وهو ما يفرض بداية الضرورة التعرف على بعض الأمثلة لهذه الصراعات في صفوف التنظيمات الإرهابية الكبرى على الساحة، والتي تقوم على مجموعات من العرقيات المختلفة.

أولا: نماذج متنوعة للصراعات العرقية داخل التنظيمات الإرهابية

يمكن القول إنّ ظهور التنظيمات والجماعات المتطرفة يرتبط في الغالب بسيطرة جنسية أو عرقية معيّنة على بنيتها القيادية، وهي الفئة التي غالبا ما تتولى عملية التأسيس وتتحمّل العبء الأكبر في بناء التنظيم سواء من الناحية الفكرية أو التنظيمية أو حتى المالية، كما أنهم يتحملون التباعات الأمنية عند بداية النشاط التنظيمي، ولهذا السبب يُشار إليهم عادة بـ”القادة التاريخيين”، والذين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحق الشرعي والتاريخي في قيادة التنظيم وتوجيه مساره وفق رؤيتهم الخاصة. وقد برز هذا النمط بوضوح منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 – على يد حسن البنا، والتي مثّلت لاحقًا المرجعية الفكرية والتنظيمية لأغلب الجماعات المتطرفة – عندما شرعت في التوسع خارج الحدود المصرية وتأسيس فروع في عدد من الدول العربية[3].

وقد حرصت القيادة المصرية في تلك المرحلة على فرض هيمنتها على الفروع الجديدة، تمامًا كما هيمنت على الجماعة الأم. واتّخذ ذلك عدة أشكال، من أبرزها حصر منصب المرشد العام في المصريين دون غيرهم، ومنحهم دورًا محوريًا في إدارة الفروع وهيئاتها المختلفة. ومع مرور الوقت، سعت تلك القيادات إلى تكريس نفوذها على الفروع الخارجية عبر تأسيس ما عُرف لاحقًا بـ”التنظيم الدولي للإخوان”، ليكون إطارًا يضمن السيطرة على الفروع والأحزاب والهيئات الموالية للجماعة حول العالم[4]. وقد أدّى ذلك إلى تزايد حالة التذمر داخل قيادات الفروع الخارجية، التي تطورت لاحقًا إلى رفض صريح لهذا النفوذ المصري، وانتهت في بعض الحالات إلى انشقاقات واضحة، مثلما حدث مع إخوان السودان بعد وصولهم إلى السلطة في إطار “ثورة الإنقاذ”، حيث شعروا بأحقيتهم في قيادة التنظيم الدولي كونهم الفرع الوحيد الذي يمسك بزمام دولة بشكل فعلي.[5]

وتزامنت هذه التوترات مع طموح القيادي السوداني حسن الترابي في تولي زعامة الجماعة على المستويين الأممي والدولي، إذ لم يكن يرى نفسه مجرد قائد للفرع السوداني، بل مفكرًا وسياسيًا يمتلك مقومات القيادة العامة للتنظيم، معتبرًا مكانته الفكرية لا تقل عن حسن البنا أو سيد قطب. وقد عبّر الترابي مرارًا عن رفضه لهيمنة إخوان مصر على التنظيم الدولي، وسعى إلى تأسيس بديل تنسيقي، حيث اقترح عام 1987 إنشاء جهاز يجمع فروع الجماعة والحركات الإسلامية الأخرى، وتمكن في 1988 من عقد مؤتمر لهذا الغرض، قبل أن يتعرض لهجوم إعلامي واسع من التنظيم الدولي انتهى بإفشال مسعاه[6].

وعلى النهج ذاته، شهد تنظيم القاعدة – الذي أُعلن عنه رسميًا عام 1998 – نمطًا مشابهًا من الهيمنة العرقية. فقد تأسس التنظيم فكريًا وتنظيميًا بشكل كبير على يد مجموعة من الجهاديين المصريين، وكان أيمن الظواهري، خلال فترة تولّيه موقع الرجل الثاني في عهد أسامة بن لادن، مهندس ترسيخ نفوذهم داخل التنظيم. إذ عمل على تمكين العناصر المصرية من تولي المناصب القيادية، ولا سيما العسكرية والشرعية والأمنية، مقابل إسناد الأدوار القتالية واللوجستية التقليدية للعناصر غير العربية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن أسامة بن لادن، على الرغم من شهرته وقدرته على التمويل، لم يكن يمتلك الخبرة التنظيمية الكافية، ما أفسح المجال أمام الظواهري ورفاقه للسيطرة على القرارات الجوهرية داخل التنظيم من وراء الستار[7].

حيث كان الظواهري يمتلك خبرة تنظيمية واسعة إلى جانب قدرته التنظيرية، فهو صاحب عدد من المؤلفات الفكرية المؤثرة في الفكر الجهادي بشكل عام، مثل “فرسان تحت راية النبي”، و”الحصاد المر”، و”الولاء والبراء”.[8] فمنذ شبابه تأثر بفكر جماعة الإخوان، قبل أن ينضم إلى “جماعة الجهاد” المصرية عام 1973، ويشارك لاحقًا في تأسيس القاعدة بصيغتها العالمية عام 1998 مع بن لادن، الذي خلفه في القيادة قبل أن تعلن الولايات المتحدة مقتله في يوليو 2022.[9]

فالظواهري كان الرجل المسؤول عن التحولات الأخطر في مسيرة التنظيم وانتقاله من “الجهاد المحلي” إلى “الجهاد العالمي”؛ التي أسهمت في تحويل تنظيم القاعدة إلى منظمة عالمية تستقطب الجهاديين من كل أرجاء العالم، وهو ما جعل يتحرك بحرية لسيطرة المصريين على المفاصل الحيوية في التنظيم، والتي يمكن من خلالها توجيه دفته بما يخدم رؤيتها الحركية والتنظيمية.

ويمثّل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتحالفه الواسع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” نموذجًا بارزًا آخر للصراعات العرقية داخل التنظيمات المتطرفة. فبعد مقتل زعيم التنظيم عبد الملك درودكال (أبو مصعب عبد الودود) عام 2020 في عملية للقوات الفرنسية شمال مالي، والذي كان محسوب على الجنس العربي، استغرق اختيار خليفته قرابة خمسة أشهر نتيجة صراعات عرقية حادة. [10]وعلى الرغم من محدودية الدور القيادي ليزيد مبارك (أبو عبيدة يوسف العنابي)، فقد جرى اختياره لتجنب تفجّر الصراع بين الطوارق، والجماعات العربية، والفولاني، والجناح الجزائري، خاصة أن قادة بارزين مثل إياد أغ غالي، ومختار بلمختار، وأمادو كوفا كانوا مرشحين محتملين، ولكل منهم قاعدة عرقية كبيرة وطموح واضح نحو السيطرة. وانتهى الأمر بتوافق على تولية العنابي لتحقيق توازن نسبي داخل التنظيم، خاصة بعدما أصبح إياد أغ غالي يقود “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، الذراع الأقوى في التحالف [11].

أما تنظيم داعش، فمنذ إعلانه “الخلافة” في سوريا والعراق، فرضت العناصر العراقية هيمنة شبه كاملة على المفاصل القيادية الحساسة، خصوصًا العسكرية والاستخباراتية والمالية. وتم خلال تلك السنوات إقصاء العناصر غير العراقية – وخاصة السوريين – من المواقع القيادية والاكتفاء بإسناد أدوار ثانوية لهم في القتال والمهام اللوجستية، رغم دورهم المحوري في تمدد التنظيم داخل سوريا. وقد أدّى هذا التهميش إلى حالة من السخط دفعت العديد منهم إلى الانشقاق والانضمام إلى “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا)، وهو ما يفسر المواجهات المسلحة التي حدثت لاحقًا بين الطرفين.[12]

كما أسهمت هيمنة القيادات العراقية على التنظيم في توجيه جزء كبير من عملياته نحو الداخل العراقي بما يخدم مصالحهم ويعزز نفوذهم المحلي، خاصة أن العديد منهم كانوا ضباطًا سابقين في الجيش العراقي وأجهزة الأمن في عهد صدام حسين. وبحسب شهادات ضباط عراقيين رفيعي المستوى، فقد كانت الخبرة العسكرية والأمنية لتلك العناصر من العوامل الأساسية التي مكّنت التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا خلال سنواته الأولى.[13]

ثانياً: التداعيات المحتملة على التنظيمات

يمكن القول إن الصراعات داخل التنظيمات الإرهابية، القائمة على أسس عرقية أو مبنية على اعتبارات تتعلق بالجنسية، والتي تتمحور حول رغبة جناح أو فصيل عرقي معين في السيطرة على مقاليد الأمور وزمام القيادة داخل التنظيم، غالبًا ما تترك مجموعة من التداعيات العميقة على مستقبل التنظيم وتماسكه. ويمكن تحديد أبرز هذه التداعيات في النقاط التالية:

  • الاختطاف العِرقي للتنظيم: يُعدّ اختطاف التنظيم لصالح توجّه عرقي محدّد أحد أهم التداعيات المترتبة على الصراعات العرقية أو الجنسية داخل التنظيمات الإرهابية. ويتم ذلك من خلال سيطرة جنسية معينة على المناصب القيادية والحيوية داخل التنظيم، بما يسمح لها بإحكام الهيمنة عليه وتوجيهه فكريًا وسياسيًا وفقًا لمصالحها واعتباراتها الخاصة، وذلك عبر تعزيز دور عناصرها وإبرازهم داخل المؤسسات التنظيمية.

    وقد ظهر ذلك بوضوح في تصرّفات إياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، خلال الفترة التي أعقبت مقتل عبد الملك درودكال، حيث تولّى إدارة شؤون تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مؤقتًا. وقد حرص خلال تلك الفترة على تقليص نفوذ التنظيم—الذي كانت تهيمن عليه المجموعات العربية—لمصلحة جماعته التي يشكّل الطوارق عمادها الأساسي[14].

    وتجسّد ذلك أيضا بشكل جلي خلال الاحتفال الذي نظمته الجماعة في 11 أكتوبر 2021 بمناسبة نجاحها في التفاوض للإفراج عن 200 من عناصر التنظيم المحتجزين لدى الحكومة المالية، إضافة إلى الحصول على 25 مليون يورو، مقابل الإفراج عن رهينة فرنسية ورهينتين إيطاليتين. فقد حرص أغ غالي على أن تجري العملية باسمه وباسم الجماعة لا باسم تنظيم القاعدة، مما أثار غضب قيادات عربية وفولانية داخل التنظيم، لاعتقادهم بأن الطوارق يسعون إلى الهيمنة الكاملة على القرار التنظيمي، مدفوعين بنزعات عرقية تعصبية[15].

  • تراجع الفاعلية التنظيمية: تُظهر متابعة نشاط التنظيمات الإرهابية أن القائد الجديد يسعى عادة إلى إثبات كفاءته وتفوقه على القيادات السابقة، الأمر الذي يدفعه إلى الاعتماد على أبناء عرقيته الذين يرون في نجاحه تعزيزًا لمكانتهم داخل التنظيم. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا السلوك إلى احتقان داخل صفوف التنظيم، خصوصًا بين المكوّنات العرقية الطامحة إلى توسيع نفوذها بما يتناسب مع حجمها ودورها داخل الهيكل التنظيمي. وينتج عن ذلك تصاعد الصراعات بين الأجنحة المختلفة، قد تتطور إلى انشقاقات فعلية.

    وتعدّ جماعة بوكو حرام مثالاً بارزًا على ذلك؛ إذ تصدّعت داخليًا إلى فرعين متنافسين، وتعمّقت الانقسامات داخل الفرع الأكبر (ولاية غرب إفريقيا)، التي أعلنت عام 2021 تقسيمًا داخليًا جديدًا إلى ما يشبه الدويلات الجهادية المستقلة، في كل من غابة ألاغارنو، سامبيسا، بحيرة تشاد، ومنطقة تومبوما بابا. وقد أعطى هذا التقسيم طابعًا محليًا واثنيا ضيقًا لأغلب تلك الفروع، في محاولة للحد من التباينات الفكرية والتنظيمية، إلا أنه ساهم في تكريس مزيد من الانقسامات[16].

  • تكريس المحاصصة العرقية داخل التنظيم: يفرض التنوع العرقي داخل التنظيمات الإرهابية نمطًا من الصراع على النفوذ والهيمنة بين المكونات المختلفة، حيث تسعى كل عرقية إلى الحصول على مناصب وملفات تتناسب مع وزنها داخل التنظيم. وهو ما يدفع القيادة إلى إدارة الملفات وفق مبدأ “المحاصصة العرقية”.

    وتُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مثالًا لذلك، إذ تضم العرب والفولاني والطوارق. وقد تم، على سبيل المثال، إسناد ملف التجارة والتهريب عبر الحدود—الذي يمثل أحد أهم موارد التمويل—إلى مختار بلمختار، أحد أبرز القيادات العربية؛ ليس فقط لخبرته الواسعة، بل أيضًا لكونه يمثّل المجموعات العربية ذات التأثير التقليدي في شبكات التمويل.[17]

    في المقابل، تم إسناد ملف القضاء على تنظيم داعش في الساحل إلى أمادو كوفا، زعيم حركة تحرير ماسينا التي تمثّل عرقية الفولاني. وقد عزز ذلك دور الفولاني داخل الجماعة، خاصة وأن الحركة لا تقبل سوى أبناء هذه العرقية. كما أدى هذا النفوذ إلى تأسيس فصيل موالٍ لها في بوركينا فاسو هو جماعة أنصار الإسلام، ما يمهّد لاحتمال ظهور تنظيم عابر للحدود في حال انفصاله مستقبلًا عن القاعدة أو نصرة الإسلام والمسلمين.[18]

  • تغيّر أولويات الاستهداف التنظيمي: بمجرد انفصال إحدى المجموعات العرقية عن التنظيم الأم وتأسيسها كيانًا جديدًا، تنشأ حالة من التنافس الجهادي بين الكيانين على النفوذ والانتشار. وسرعان ما يتحول هذا التنافس إلى مواجهات مسلّحة مباشرة، تُفضي إلى تغيّر أولويات الاستهداف داخل كل تنظيم. وتتحول الأولوية من استهداف “العدو التقليدي”—مثل القوات الحكومية أو الرديفة أو القوات الأجنبية—إلى استهداف التنظيمات المنشقة أو المنافسة على أساس عرقي، بهدف فرض السيطرة والانفراد بالنفوذ. وقد تجلّى ذلك في الصراعات الدموية بين المجموعات القاعدية والداعشية في منطقة الساحل خلال العامين الماضيين، والتي أسفرت عن مئات القتلى من الطرفين، في أعداد فاقت قتلاهم في مواجهاتهم مع الجيوش الحكومية.[19]

    ومن ناحية أخري فإن استمرار مثل هذه الصراعات يعنى تزايد معدل العمليات الإرهابية، التي تستهدف المدنيين وقوات الأمن سواء بسواء، وذلك بالتوازي مع الصراع الداخلي بين فروع التنظيم. وتلفت هذه الحقيقة الانتباه لعدد من الظواهر الخطرة المصاحبة لانقسام التنظيم الإرهابي على أساس عرقي وإثني، والتي أسهمت في تعزيز تجذر التنظيمات العرقية المختلفة في المجتمعات المحلية، والاعتماد على علاقات القرابة والروابط الاجتماعية بصورة أكبر في تمويل التنظيم وإمداده بالمقاتلين؛ وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التماسك والاستمرار.[20]

  • الدخول في صراعات خارجية: تُعَدّ الانحيازات والتعصّباتُ العِرقية من أبرز العوامل التي تُسهم في تأجيج الصراعات بين التنظيمات المسلحة، ولا سيما في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتكوّن المجتمعات من طيف واسع من الأعراق، وينحاز أفرادُ كلّ عِرق في الغالب إلى جماعتهم عبر الدعم والتأييد. ويُسهم هذا الواقع في جعل تلك الجماعات هدفًا للتنظيمات المنتمية إلى عرقيات أو قبائل متنافسة أو معادية، خصوصًا عندما يرتبط الأمر بالصراع على مصادر التمويل، ودوائر النفوذ، ومساحات التمدد الجغرافي.

    وتعاني معظم دول الساحل ضعفًا بنيويًا في منظومات التعليم والخدمات، إضافة إلى ندرة فرص العمل، فضلاً عن عجز الحكومات عن فرض سيطرتها خارج المراكز الحضرية الكبرى ــ باستثناءات محدودة. وقد أدّى هذا الفراغ السلطوي إلى توسّع أنشطة الاتجار بالبشر، وتهريب السلاح، وتجارة المخدرات، ما وفّر بيئة خصبة تستغلها التنظيمات الإرهابية ــ العرقية منها وغير العرقية ــ لبناء تحالفات مع جماعات محلية. ويبرز هذا النمط بوضوح في شمال مالي، حيث احتدم الصراع بين تنظيم “القاعدة” وتنظيم “داعش” لتحقيق مكاسب ميدانية، وتسجيل انتصارات على الأرض، والحصول على أكبر قدر ممكن من مصادر الدعم.[21]

الخاتمة:

يمكن القول إنّ ظهور التنظيمات المتطرفة يرتبط غالبًا بسيطرة جنسية أو عِرقية معيّنة على بنيتها القيادية؛ وهو نمط برز بوضوح منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، حيث احتكر المصريون آنذاك مواقع القيادة داخل الجماعة، وكذلك داخل فروعها الخارجية عبر ما عُرف لاحقًا بالتنظيم الدولي الذي خضع بدوره لهيمنة القيادة المصرية. وقد انتقلت هذه السمة إلى التنظيمات اللاحقة، مثل القاعدة وداعش، وإلى التنظيمات المحلية كجماعة بوكو حرام.

ومع مرور الوقت، تنشأ حالة من السخط داخل المكوّنات العرقية الأخرى جراء تلك الهيمنة، ما يؤدي إلى بروز توترات داخلية قد تتطوّر إلى انشقاقات فعلية، تنتهي عادة بانفصال مجموعة وإنشاء كيان تنظيمي جديد يسعى إلى التحرّر من سيطرة العرقيات المتنفذة وتحقيق أهداف تتوافق مع تطلعاته العرقية الخاصة. وتساهم هذه الديناميكية في زيادة عدد التنظيمات الإرهابية على الساحة، وما يترتب على ذلك من تصاعد للهجمات الإرهابية، نتيجة التنافس بين تلك التنظيمات ليس فقط على التمدد والانتشار الجغرافي، بل أيضًا على إثبات القوة والقدرة العملياتية في مواجهة الآخرين، والتأكيد على مكانة الجماعة العرقية التي ينتمي إليها قادتها.


[1] تحوُّلات أولويّات الاستهداف عند التنظيمات الإرهابيّة، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 22 مارس 2023، على الرابط: https://h7.cl/1fSw4

[2] قراءة في ظاهرة “وسطاء الإرهاب” في أفريقيا، موقع تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 4 يونيو 2023، على الرابط: https://h7.cl/1kNpE

[3] ظروف نشأة جماعة “الإخوان المسلمين، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 12 ابريل 2020، على الرابط: https://h7.cl/1kK5i

[4] إبراهيم منير.. أول مسؤول عن الإخوان المسلمين من خارج مصر، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 15 سبتمبر 2020، على الرابط: https://h7.cl/1kJGw

[5] [5]. محمد موسى، وعبده مصطفى دسوقي، تاريخ الإخوان المسلمين في الكويت، ويكيبيديا الإخوان المسلمين، على الرابط:   https://bit.ly/2J5zNNp

[6] مسلم هنيدي، محمد الدابولي، دوافع رغبة إخوان السودان في السيطرة على التنظيم الدولي، المرجع، مركز سيمو باريس (فرنسا)، 22 أكتوبر 2018، على الرابط:https://bit.ly/2xxKrdE

[7] ما حيثيات مقتل أبو محمد المصري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة على الأراضي الإيرانية؟، موقع فرانس24، بتاريخ 17 نوفمبر 2020، على الرابط: https://h7.cl/1kJGE

[8] أيمن الظواهري.. الطبيب المصري الذي خلف بن لادن في زعامة القاعدة واغتالته واشنطن، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 5 ديسمبر 2024، على الرابط: https://h7.cl/1kK2K

[9] أيمن الظواهري.. الطبيب المصري الذي خلف بن لادن في زعامة القاعدة واغتالته واشنطن، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 5 ديسمبر 2024، على الرابط: https://h7.cl/1kJGP

[10] فرنسا: مقتل عبد المالك دروكدال زعيم تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي”، موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 5 يونيو 2020، على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/world-52945567

[11] مغزى تعيين العنابي قائداً لـ”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، موقع المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بتاريخ 2 ديسمبر 2020، على الرابط: https://h7.cl/1kJGY

[12] معارك بين داعش والنصرة في لبنان وسوريا، موقع ار تى الروسية، بتاريخ 25 مايو 2015، على الرابط: https://h7.cl/1kJHb

[13] كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 9 أغسطس 2015، على الرابط: https://h7.cl/1fS8Z

[14] كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 9 أغسطس 2015، على الرابط: https://h7.cl/1kJKB

[15] دوافع التمدد.. لماذا يستهدف تنظيم القاعدة بوركينافاسو؟، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 10 يناير 2025، على الرابط: https://h7.cl/1fSc8

[16] نمط متكرر: ظاهرة الانقسامات والصراعات بين فروع “بوكو حرام” في منطقة الساحل الإفريقي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بتاريخ 25 مارس 2025، على الرابط: https://h7.cl/1kJJO

[17] مختار بلمختار: رحلة في عالم التهريب و”الجهاد”، موقع بى بى سي عربي، بتاريخ 17 يناير 2013، على الرابط: https://h7.cl/1kJJX

[18] من هو “أمادو كوفا” المثير للجدل؟، موقع اخبار الان، بتاريخ 25 يناير 2023، على الرابط: https://h7.cl/1kJKi

[19] تحوُّلات أولويّات الاستهداف عند التنظيمات الإرهابيّة، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 22 مارس 2023، على الرابط: https://h7.cl/1kJJF

[20] ظاهرة الانقسامات والصراعات بين فروع “بوكو حرام” في منطقة الساحل الإفريقي، مرجع سابق

[21] [21] صراع الجماعات الإرهابية في دول الساحل – الجذور والأسباب، مرز التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، بتاريخ 14 مايو 2023، على الرابط: https://h7.cl/1fZPn

المواضيع ذات الصلة