في تطور لافت يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، وافق([1]) مجلس النواب الهولندي (Tweede Kamer)، في 17 مارس 2026، على مقترح برلماني قدمه حزب الحرية (PVV) -الفائز بالأغلبية في انتخابات النواب الأخيرة- بحظر جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات التابعة لها، وهو المقترح الذي سبق أن فشلت جهوده في تحقيقه.
يأتي القرار في بيئة تشهد العديد من التحولات الاستراتيجية المتسارعة، سواء كان دوليًّا أو أوروبيًّا، في التعاطي مع تنظيم الإخوان المسلمين؛ فقد جاء التحرك الهولندي في هذا التوقيت مستفيدًا من زخم دولي غير مسبوق، دشنته الإدارة الأمريكية في مطلع عام 2026 عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعًا رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط. هذا الغطاء الدولي منح المشرّعين الأوروبيين، كالفرنسيين ثم الهولنديين، الجرأة السياسية والغطاء القانوني للانتقال من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي.
إضافة إلى طبيعة اللحظة الحرجة في وقت حرج تتزايد فيه تحذيرات الأجهزة الأمنية من خطورة استراتيجية “التغلغل البطيء” التي تعتمدها الجماعة، أدركت العواصم الأوروبية أن التغاضي عن الأنشطة الهيكلية والتمويلية للإخوان تحت غطاء “العمل الخيري” أو “الاندماج الثقافي” أسفر عن خلق بيئات حاضنة للتشدد والتطرف؛ ما يهدد الأمن القومي والتماسك المجتمعي لدول القارة([2]).
لذا، يكتسب هذا التحرك أهمية استراتيجية بالغة؛ فهو لا يمثل مجرد إجراء محلي هولندي عابر، بل يمثل حلقة محورية في سلسلة من الإجراءات الدولية الرامية إلى تفكيك الشبكات العابرة للحدود. إن هذا التوجه يعكس انتقالًا نوعيًّا وحاسمًا من سياسات الاحتواء إلى استراتيجية التجريم القانوني الشامل. وتهدف هذه الورقة إلى تفكيك أبعاد القرار الهولندي، وتحليل دلالاته الأمنية والسياسية في هذا التوقيت الحساس، وتقييم مساراته القانونية المستقبلية، مع تسليط الضوء على أثره المتوقع في تقويض قدرة التنظيم على توظيف الساحة الأوروبية كمنصة لإعادة التموضع والانتشار، وتوفير الملاذات الآمنة لكوادره.
1- السياقان الأمني والسياسي للقرار في هولندا
لا يمكن قراءة سلوك البرلمان الهولندي بمعزل عن تبلور إدراك سياسي وأمني أعمق لطبيعة التهديد الذي تُمثله جماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم، خاصة بعد الموقف الأمريكي من العديد من فروعها، إضافة إلى التداعيات القائمة داخل النسيج المجتمعي الأوروبي، وتنامي الخطابات المحذرة من التهديدات الناجمة باستمرار الجماعة. فقد استطاع المقترح أن يحشد دعمًا من طيف واسع من الأحزاب السياسية الهولندية، متجاوزًا الانقسامات التقليدية؛ ما يعكس اقتناعًا متناميًا بضرورة التصدي لاستراتيجيات التغلغل التي تنتهجها الجماعة لتقويض أسس الاندماج الوطني.
أ. التوافق البرلماني حول المخاطر الأمنية
شهد التصويت اصطفافًا ملحوظًا ضم أحزابًا من خلفيات متنوعة، حيث دعمت أحزاب، مثل: من أجل الحرية والديمقراطية (VVD)، والاتحاد المسيحي (ChristenUnie)، و50Plus، والإصلاح السياسي (SGP)، وحركة المزارعين المواطنين (BBB)، والمنتدى من أجل الديمقراطية (FVD)، ومجموعة ماركوسزاور، المقترح الذي قدمه حزب الحرية (PVV). هذا التوافق البرلماني يشير إلى أن التحذير من أنشطة الإخوان لم يعد مقتصرًا على تيار سياسي بعينه، بل أصبح مصدر قلق استراتيجي لدى قطاعات واسعة من صناع القرار في هولندا([3]).
استند النواب المؤيدون للمقترح إلى مخاوف أمنية جدية تتعلق بمساعي الجماعة لاستغلال المناخ الديمقراطي الهولندي بهدف التسلل إلى المؤسسات التعليمية والاجتماعية، والعمل بشكل منهجي ومستدام على فرض أجندتها الأيديولوجية، وتأسيس بيئة حاضنة للتشدد. هذا السلوك التنظيمي يتناقض جذريًّا مع قيم دولة القانون الديمقراطية، ويؤسس لمجتمعات موازية ترفض الاندماج، وتتبنى مرجعيات متعارضة مع النظام العام([4]).
ب. استراتيجية “المنظمات الواجهة” والتخفي التنظيمي
تكمن خطورة الوجود الإخواني في هولندا، وفي عموم القارة الأوروبية، في اعتماد الجماعة المنهجي على تكتيك “المنظمات الواجهة” (Front Organizations)؛ فالجماعة لا تعمل عادة تحت لافتة تنظيمية صريحة تحمل اسم “الإخوان المسلمين”، بل تتستر خلف شبكة معقدة ومترابطة من الجمعيات الخيرية، والمراكز الثقافية، والمؤسسات الشبابية، والنسائية. هذا التكتيك الهلامي يهدف بالأساس إلى التهرب من الرقابة الأمنية الصارمة، وتسهيل عملية اختراق المجتمعات المحلية، وجمع التبرعات تحت مسميات إنسانية، وتجنيد الأتباع دون إثارة الشبهات القانونية([5]).
جاء القرار الهولندي ليستهدف هذه الهيكلية المعقدة، من خلال نصه الواضح على حظر “المنظمات المرتبطة” أو “التابعة” للجماعة، وهو النص الذي يعكس إدراكًا متقدمًا من المشرعين بأن التفكيك الحقيقي والفعال لشبكات الإسلام السياسي يتطلب استهداف الأذرع التنفيذية والتمويلية التي تعمل كواجهات مشروعة للتنظيم الأم، وعدم الاكتفاء بحظر الاسم الرمزي للجماعة الذي نادرًا ما يُستخدم رسميًّا في أوروبا.
استند نص المقترح صراحة إلى تقرير حكومي فرنسي حذر من “التسلل الخفي الطويل الأمد للإخوان المسلمين؛ بهدف إقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة”؛ ما يؤكد أن البرلمان الهولندي يستند في قراره إلى تقييمات استخباراتية أوروبية متقاطعة، تؤكد خطورة المنهجية الإخوانية في التغلغل البطيء والمستدام([6]).
2- السياقان الدولي والإقليمي: مسار التفكيك المؤسسي الشامل
لا يمكن فصل القرار الهولندي عن سياق دولي أوسع يتسم بتصاعد الضغوط على جماعة الإخوان المسلمين، وتضييق مساحات حركتها؛ فقد استند المقترح الهولندي في ديباجته بشكل مباشر إلى التجربة الفرنسية؛ ما يؤكد أن الخطوة الهولندية هي امتداد لمسار دولي متسارع يهدف إلى محاصرة التنظيم، وتجفيف منابع تأثيره الفكري والمادي.
أ. التحولات الأوروبية المتسارعة نحو التجريم
شهدت الساحة الأوروبية، في السنوات القليلة الماضية، تحولات جذرية في التعاطي مع الإخوان المسلمين، متخلية عن سياسات التسامح والمراقبة السلبية لمصلحة إجراءات التقييد والتجريم الفعلي. ففي فرنسا، أعدت وزارة الداخلية في مايو 2025 تقريرًا استراتيجيًّا شاملًا بعنوان “الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا”، كشف بالأدلة عن استراتيجية “التغلغل” التي تتبعها الجماعة لتقويض التماسك الوطني الفرنسي من خلال شبكات ناشطة على المستوى المحلي في السياسة والفضاء العام([7]).
وتُوجت هذه الجهود الفرنسية بتوصية من الجمعية الوطنية الفرنسية في 22 يناير 2026 بدعوة الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الجماعة وقياداتها بشكل رسمي ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأوروبية([8]). كما سبقت النمسا جيرانها الأوروبيين بخطوات حاسمة منذ عام 2021 عندما حظرت رموز الجماعة وأنشطتها ضمن قانون شامل لمكافحة الإرهاب الذي صدّق عليه البرلمان النمساوي. وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى تشكُّل إجماع أوروبي متنامٍ على ضرورة التعامل مع الإخوان المسلمين كتهديد أمني حقيقي وعابر للحدود، وليس مجرد حركة سياسية أو دعوية سلمية.
ب. التصنيفات الأمريكية الحاسمة: نهاية سياسة الاحتواء
تزامن التحرك الهولندي مع تحول استراتيجي حاسم في السياسة الأمريكية تجاه حركات الإسلام السياسي، واضعًا حدًّا لنهاية لأطروحة الدمج والاعتدال التي سبق أن تبناها منذ عقدين إدراكًا لحجم المخاطر المرتبطة بالإسلاموية الإخوانية والمترتبة عليها. ففي 13 يناير 2026، واستنادًا إلى أمر تنفيذي رئاسي صدر في 24 نوفمبر 2025، أعلنت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان تصنيف فروع لجماعة الإخوان في مصر والأردن منظماتٍ إرهابية أجنبية، إضافة إلى إدراج الجماعة الإسلامية في لبنان (وهي الذراع اللبنانية للإخوان) ضمن القوائم ذاتها([9])، ثم أصدرتا قرارًا آخر ضد الإخوان المسلمين في السودان في 9 مارس 2026([10]).
شملت الإجراءات الأمريكية تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية والتجارية، ومنع دخول الأعضاء غير المواطنين إلى الأراضي الأمريكية، وتسهيل ترحيل الموجودين منهم. ويمثل هذا القرار الأمريكي انتقالًا نوعيًّا من سياسة الاحتواء والمراقبة، التي سادت عقودًا، إلى استراتيجية التجريم والتفكيك المالي والمؤسسي الشامل([11])، وهو التوجه الذي يوفر غطاءً دوليًّا وزخمًا قانونيًّا للقرارات الأوروبية المشابهة، ومنها القرار الهولندي، ويمنحها شرعية دولية إضافية.
كما أن التصنيف الأمريكي يقوض قدرة الجماعة على توظيف خطابات حقوق الإنسان والحريات المدنية كدروع واقية لأنشطتها في الغرب، خاصة في ظل انكشاف ارتباط فروعها بشكل وثيق بمنظمات مصنفة إرهابيًّا كحركة حماس وحزب الله؛ ما يعمق من عزلة الجماعة، ويسقط ادعاءاتها بالسلمية والاعتدال.
ج. الإجماع الإقليمي وتجفيف منابع الدعم
تتكامل هذه الخطوات الغربية غير المسبوقة مع إجماع إقليمي راسخ وحازم تقوده دول عربية محورية؛ فقد أدركت هذه الدول مبكرًا خطورة المشروع الإخواني، حيث صنفت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والبحرين جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية منذ سنوات، بناءً على تقييمات أمنية موثقة، وأدلة دامغة على دور الجماعة في زعزعة استقرار المنطقة، وتغذية التطرف الفكري والعملياتي([12]).
أيضًا، شدد الأردن من إجراءاته الأمنية والقانونية ضد الجماعة، بعد إحباط مؤامرة تخريبية في أبريل 2025 نُسبت إلى عناصر إخوانية؛ ما يؤكد أن التهديد الإخواني يتجاوز التنظير السياسي إلى الممارسة التخريبية الفعلية. إن هذا التوافق الدولي والإقليمي المتصاعد يعمق من حالة الانهيار الهيكلي والتنظيمي التي تعيشها الجماعة، ويقوض شرعيتها الرمزية، وقدرتها على المناورة في الساحة الدولية، ويجفف منابع دعمها المالي واللوجيستي بشكل غير مسبوق في تاريخها([13]).
3- المسارات القانونية وآليات التنفيذ في النظام الهولندي
رغم الأهمية الاستراتيجية والرمزية البالغة لقرار البرلمان الهولندي، فإن تحويله إلى واقع تنفيذي ملموس يتطلب تفعيل آليات قانونية محددة ومعقدة ضمن النظام القضائي الهولندي؛ ما يفرض تحديات فنية تتعلق بجمع الأدلة وتكييفها القانوني بما يتوافق مع معايير القضاء المدني.
أ. الإجراءات المدنية للحظر المؤسسي
في النظام القانوني والسياسي الهولندي، يمثل قرار البرلمان (الموشن) توجيهًا سياسيًّا ملزمًا أدبيًّا للحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة، ولكنه لا يتحول تلقائيًّا إلى قانون. وقد أكد المتحدث باسم وزارة العدل والأمن الهولندية أن الوزارة “تدرس حاليًّا آليات تنفيذ الموشن ضمن المهلة المحددة”([14]).
ويتم حظر المنظمات وتفكيكها في هولندا عادة من خلال القضاء المدني، وتحديدًا بموجب المادة 2:20 من القانون المدني الهولندي (Burgerlijk Wetboek)؛ إذ تتيح هذه المادة للنيابة العامة (Openbaar Ministerie) تقديم طلب رسمي إلى المحكمة المدنية لحظر منظمة ما وحلها نهائيًّا، إذا توفرت أدلة تثبت أن أهدافها أو أنشطتها الفعلية تشكل تهديدًا خطيرًا للنظام العام، أو تقوض أسس دولة القانون الديمقراطية ومبادئها الأساسية([15]).
ب. التحديات وآفاق التنفيذ الفعال
تعكس طبيعة الموافقة على المقترح أبرز التحديات التي سيكون لها تأثيرها على مسار القرار لاحقًا؛ فالقرار الذي صدر بموافقة 76 صوتًا مقابل رفض 74 بفارق بسيط يعكس غياب رأي عام داخلي حقيقي يدفع باتجاه مثل هذا القرار؛ وهو ما يعني:
– ضعف حضور الإخوان المسلمين في المشهد السياسي: يدعم ذلك التقرير الشهير الذي أعده معهد أبحاث الأمن القومي الهولندي (AIVD) حول وجود الإخوان المسلمين في هولندا في 2011. وقد خلص إلى([16]):
- غياب تنظيم رسمي للجماعة؛ فوجودها عبارة عن شبكة واسعة من الأفراد المتعاطفين مع الفكر الديني للإخوان المسلمين.
- غياب نفوذ جماعة الإخوان المسلمين المصرية على الحركة في هولندا.
- عدد الأعضاء النشطين في الجماعة في هولندا لا يتجاوز بضع عشرات. أما عدد المتعاطفين معها، لكن لا يشاركون بنشاط في أنشطتها، فلا يتجاوز بضع مئات من الأشخاص.
– تفرقة الحكومة الهولندية بين جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات كـ”داعش” و”القاعدة”، اللذين يمثلان تهديدًا حقيقيًّا لها، وهو ما يبدو في تركيز الحكومة على “مكافحة الجهادية”، الذي تراه تهديدًا خطيرًا للأمن القومي والديمقراطية، مع تأكيد عدم تحميل المسلمين في هولندا مسؤولية أفعال الجهاديين([17])، رغم أن مستوى التهديد الإرهابي الوطني الحالي في هولندا “Substantial مرتفع -أي يبلغ مستوى 4 من 5- ما يعني إمكانية وقوع هجمات إرهابية في أي مكان وفي أي وقت([18]).
ورغم ذلك، فإن الاقتراح المقدم يتسق ضمنيًّا مع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب 2022-2026 في هولندا، حيث ترى أن يتم التركز على الإرهاب والتطرف العنيف اللذين يشكلان تهديدًا إرهابيًّا بغض النظر عن الأساس الأيديولوجي، وأن مكافحة الحركات الإرهابية، من خلال تعطيل الأنشطة التي تحرض الآخرين على الانخراط في العنف الإرهابي، نهج شامل. ويقوي من ذلك أن معهد أبحاث الأمن القومي الهولندي AIVD أشار إلى أنه رغم أن أنشطة جماعة الإخوان الهولندية المعلنة لا تتعارض مع سيادة القانون، ولا توجد أي مؤشرات إلى تبنيها نهجًا متطرفًا أو عنيفًا، فإنه أكد سعي جماعة الإخوان المسلمين الهولندية إلى إعادة أسلمة المجتمع المسلم، ونشر الفكر الديني للإخوان، وتوسيع نطاق نفوذها، وشدد على أن نشاطها يُشكل خطرًا طويل الأمد على سيادة القانون الديمقراطي في هولندا؛ لانعكاسه على تهيئة بيئة خصبة للعزلة والاستقطاب، فضلًا عن امتلاك الإخوان الهولنديين شبكة دولية واسعة من العلاقات، وموارد مالية وفيرة([19]) .
وتظل هناك عقبتان؛ الأولى: مواقف الأحزاب الإسلامية الهولندية القائمة ونوابها، خاصة مع بعض القبول المحلي الذي تعكسه نتائج مشاركتهم في الانتخابات([20])، وازدياد التهديدات المحلية في ظل صعود اليمين المتطرف([21])، وما قد يمثله صدور هذا القرار من تهديدات للمسلمين المقيمين بهولندا، خاصة مع ما يحدث من تماهٍ عمدي بين المسلمين في البيئات الغربية والإخوان المسلمين.
كما تعكس تركيبة المسلمين في هولندا جانبًا من التحدي؛ إذ يقدّر عدد المسلمين المقيمين في هولندا بنحو 1.2 مليون نسمة، منهم 500 ألف تركي و400 ألف مغربي([22]). لذا، قد يكون للتقارب التركي مع الإخوان المسلمين تأثير قد يدفع لبناء موقف سياسي داخلي يحول دون اتخاذ أي موقف مناهض للجماعة.
الثانية: كيفية تنفيذ القرار؛ إذ تكمن المشكلة الفنية الأبرز في مسار التنفيذ، ممثلة في إثبات الارتباط العضوي والتشغيلي المباشر بين “المنظمات الواجهة” العاملة في هولندا، وبين التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث سبق أن أشار تقرير AIVD إلى أن الجماعة تتجنب العمل تحت هيكل هرمي تقليدي واضح في البلاد، وتعتمد بدلًا من ذلك على شبكات مرنة ومترابطة فكريًّا؛ ما يصعّب عملية الحظر القانوني المباشر استنادًا إلى الاسم فقط([23](.
غير أن هذا التحدي القانوني ليس مستعصيًا؛ إذ يتطلب التنفيذ الفعال للقرار جهدًا استخباراتيًّا مكثفًا وموجهًا لتتبع مسارات التمويل المعقدة، ورصد الارتباطات الأيديولوجية والتنظيمية للقيادات والكوادر التي تدير هذه الجمعيات والمؤسسات. ويتطلب الأمر تقديم هذه الارتباطات كأدلة قانونية صلبة أمام القضاء؛ لإثبات ممارستها أنشطةً تتناقض مع الدستور الهولندي، وتقوض السلم المجتمعي.
وفي هذا السياق، يمكن للحكومة الهولندية الاستفادة بشكل كبير من التجارب الدولية الناجحة، لاسيما النموذج الأمريكي الأخير، الذي اعتمد نهجًا تدريجيًّا باستهداف فروع وشخصيات وكيانات بعينها بناءً على أدلة ارتباطها بتمويل الإرهاب، وكذلك النموذج النمساوي الذي أطّر الحظر ضمن تشريع استراتيجي شامل لمكافحة الإرهاب. كما يمكن للتعاون الاستخباراتي الأوروبي المشترك، والتنسيق الوثيق مع الشركاء الإقليميين الذين يمتلكون خبرة واسعة في تفكيك شبكات الجماعة، أن يوفر قاعدة معلوماتية صلبة تدعم الإجراءات القانونية الهولندية المطلوبة لضمان نجاح مسار الحظر.
الخاتمة
يمثل قرار مجلس النواب الهولندي الموافقةَ على اقتراحٍ لحظر جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات التابعة لها محطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية مع شبكات الإسلام السياسي؛ فالقرار يعكس تطورًا نوعيًّا في الإدراك الأمني والسياسي لخطورة استراتيجيات التغلغل والتسلل الناعم التي تنتهجها الجماعة لبناء هياكل موازية داخل المجتمعات الغربية، واستغلال الفضاء الديمقراطي لتمرير أجندتها الأيديولوجية الراديكالية.
وعلى الرغم من التحديات القانونية الفنية المرتبطة بإثبات الارتباطات التنظيمية للمنظمات الواجهة في أروقة المحاكم، فإن القرار الهولندي ينسجم تمامًا مع توجه دولي متنامٍ وحازم، تقوده الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية، يهدف إلى الانتقال النهائي من مرحلة المراقبة السلبية إلى مرحلة التجريم الصارم والتفكيك المالي والمؤسسي الشامل للتنظيم.
وفي المحصلة الاستراتيجية، يسهم التحرك الهولندي في تضييق الخناق على شبكات الجماعة العابرة للحدود، ويزيد من عزلتها الدولية، ويعمق من أزمتها الهيكلية والأيديولوجية غير المسبوقة. إن هذه التطورات المتلاحقة تضع تنظيم الإخوان المسلمين أمام حتمية الانحسار والتراجع، وتؤكد أن مساحة المناورة المتاحة له في الساحة الدولية تتقلص باطراد لمصلحة بيئة قانونية وأمنية ترفض التسامح مع المنظومات الأيديولوجية والتنظيمية الداعمة للتطرف.
[1]– NL Times, “Parliament approves PVV motion to ban Muslim Brotherhood, despite controversy”, 17 March 2026, https://tinyurl.com/23ktrcox
[2]– TRENDS Research & Advisory, “US Terrorist Designations Mark New Phase in Curbing the Muslim Brotherhood’s Global Reach”, 26 January 2026, https://tinyurl.com/26xrn3h7
-[3] NOS Nieuws, “Tweede Kamer: Moslimbroederschap in Nederland verbieden”, 17 maart 2026. https://nos.nl/artikel/2606722
[4]– The Jerusalem Post, “Dutch House of Representatives adopts motion to ban Muslim Brotherhood in the Netherlands”, 17 March 2026. ,www.jpost.com/international/article-890299
[5] Foundation for Defense of Democracies, “Blacklisting the Brotherhood”, Jonathan Schanzer, 17 March 2026. https://www.fdd.org/analysis/2026/03/17/blacklisting-the-brotherhood/
[6] Tweede Kamer der Staten-Generaal, Motie Boon/Wilders, Kamerstuk 32 824, nr. 492, 2026. https://www.tweedekamer.nl/downloads/document?id=2026D10782
[7] – “Tweede Kamer: Moslimbroederschap in Nederland verbieden”, , ibid
[8] – الجمعية الوطنية الفرنسية تُوصي بإدراج “الإخوان المسلمين” على قوائم الإرهاب الأوروبية.. الدلالات والأبعاد، تريندز للبحوث والاستشارات، 25 يناير 2016، https://tinyurl.com/2xr4xley
[9] -.S. Department of State, “Terrorist Designations of Muslim Brotherhood Chapters”, 13 January 2026. , https://tinyurl.com/2d4onnue
[10] – تأطير الإسلاموية كتهديد أمني: تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية ودلالاته، تريندز للبحوث والاستشارات، 11 مارس 2016، https://tinyurl.com/2ch2ruha
[11] – US Terrorist Designations Mark New Phase in Curbing the Muslim Brotherhood’s Global Reach”, , ibid.
[12] Egypt Today, “Dutch parliament adopts motion to ban Muslim Brotherhood”, 18 March 2026, https://www.egypttoday.com/Article/1/145741/
[13] Foundation for Defense of Democracies, “Blacklisting the Brotherhood”, Jonathan Schanzer, 17 March 2026. , https://tinyurl.com/2cxq2eq3
[14]Tweede Kamer: Moslimbroederschap in Nederland verbieden , ibid
[15]– Dutch Civil Law, Book 2 Legal Persons, Article 2:20 – Burgerlijk Wetboek, https://tinyurl.com/2ymy8s4j
[16] – BRIEF VAN DE MINISTER VAN BINNENLANDSE ZAKEN EN KONINKRIJKSRELATIES, Den Haag, 11 April 2011, https://tinyurl.com/2cq4enpb
[17] – Combating jihadism, Counterterrorism and national security, https://tinyurl.com/294hzljv
[18] -Risk of an attack (threat level) , Counterterrorism and national security, https://tinyurl.com/246ass25
[19] – BRIEF VAN DE MINISTER VAN BINNENLANDSE ZAKEN EN KONINKRIJKSRELATIES, ibid.
[20] – Manfred Gerstenfeld, Dutch Muslim Parties: A New Development in Islamization, 25July 2018, https://tinyurl.com/2327kxor
[21] -Ashifa Kassam, ‘Open hostility has become normalised’: Dutch Muslims fear rise of far right as general election looms, The Guardian, 27 Oct 2025, https://tinyurl.com/273flj3j
[22] – Huijnk, Willem, Jaco Dagevos, and Floris Vermeulen. “Muslim immigrants in the Netherlands: characteristics, identification and diversity.” Muslims in the western world: sense of belonging and political identity. Cham: Springer International Publishing, 2022. 93-109. https://tinyurl.com/2y5s5dkb
[23] AIVD, Jaarverslag 2024, Hoofdstuk Midden-Oosten.