شكّل مؤتمر ميونخ للأمن 2026 (13–15 فبراير) منصّة أساسية لمناقشة التحولات الجيوسياسية العالمية. أبرزت النقاشات العلنية والحوار المغلق بين القادة والدبلوماسيين حجم التحديات التي يواجهها النظام الدولي، من تصاعد النزاعات الإقليمية إلى تغير موازين القوة بين الدول الكبرى والجنوب العالمي.
في هذا الإطار، صدر تقرير مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 بعنوان «تحت الهدم» Under Destruction، ليقدّم قراءة معمقة لهذه التحولات البنيوية. التقرير يحلل ديناميات القوة الدولية، التحول المفاهيمي في طبيعة النظام الدولي، وإعادة تعريف الدور الأمريكي، والمأزق الأوروبي، وصعود دول الجنوب، وأزمة القانون الدولي، والمؤسسات متعددة الأطراف، مع تقديم سيناريوهات محتملة للنظام الدولي حتى عام 2030.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة استراتيجية معمقة لتقرير مؤتمر ميونخ 2026، مستندة إلى نتائج النقاشات التي دارت خلال المؤتمر، لتوضيح كيف تتفاعل القوى الدولية، وكيف يمكن أن تتشكل قواعد النظام الدولي الجديد في مرحلة انتقالية حاسمة، حيث تصبح القوة والمصلحة، إلى جانب الإصلاح المؤسسي والتفاوض متعدد الأطراف، المحددات الرئيسة للعلاقات الدولية المستقبلية.
1. التحول المفاهيمي في طبيعة النظام الدولي
أحد أبرز استنتاجات تقرير ميونخ للأمن 2026 هو أن ما واجهه العالم في العقدين الماضيين لا يمكن أن يُقرأ كـ”توتر مؤقت” في النظام الدولي، بل كـ”انتقال نوعي” في صيغ التفاعل بين الدول الكبرى والمؤسسات الدولية. يستخدم التقرير مصطلح [1]wrecking-ball politics أو “سياسات تدمير قواعد اللعبة القائمة” لوصف سياسات تهدم قواعد اللعبة القائمة بدلًا من إصلاحها، وهو مصطلح يبنى على تحوّل في بنية الشرعية الدولية من قاعدة مشاركة في نظام قائم إلى إصرار على إعادة كتابته أو تفكيكه.
هذا المفهوم لا يقتصر على مجرد انتقاد نظري للحالة الدولية، بل ظهر عمليًّا في خطاب العديد من القادة خلال مؤتمر ميونخ للأمن في 13–15 فبراير 2026. فقد دعا بعض المسؤولين الأوروبيين إلى الاعتراف بأن «المرجعيات القديمة لم تعد تلقى قبولًا عالميًّا»[2]، ليس بسبب ضعف القانون الدولي ذاته، بل بسبب فقدان القوى الكبرى — بما في ذلك الولايات المتحدة — ثقتها في فعالية هذه المرجعيات لإدارة النزاعات الكبرى مثل الحرب في أوكرانيا، أو أزمات الشرق الأوسط.
المؤتمر شهد أيضًا احتفاءً متزايدًا بنقاشات حول إصلاح المؤسسات الدولية، لا لإعادة تأهيلها ضمن القواعد القائمة، ولكن لإعادة هيكلتها كي تكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المعاصرة. وقد عبّر بعض المشاركين عن إحباطهم من أن المنظمات المتعددة الأطراف، التي صُممت في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتمكن من الاستجابة بشكل فعال للتحديات متعددة الأبعاد — من الأمن السيبراني إلى التنافس التكنولوجي، ومن النزاعات الإقليمية إلى الأزمات الإنسانية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التحول لا يعني نهاية النظام الدولي القائم، لكنه يعني تحوّلًا في المراجع والأولويات:
- من قواعد جامدة إلى مفاوضات قوة.
- من مشروع تعاون هادئ إلى تنافس نشط على إعادة تعريف الأطر المؤسسية.
- من حلول متعددة الأطراف قائمة على التوافق إلى سياسات مستقبلية تفرض فيها القوى الكبرى معاييرها وشروطها.
كما أشار التقرير، إلى أن فقدان الثقة في المؤسسات لا يمكن تعويضه فقط بإصلاحات تنظيمية، بل يتطلب إعادة بناء أسس شرعية مشتركة بين الدول، وهو ما بدا واضحًا في مواقف ممثلي الدول الأفريقية والآسيوية واللاتينية الذين طالبوا بمشاركة أوسع في صياغة قواعد النظام الدولي الجديد.
2. إعادة تعريف الدور الأمريكي
أحد المفاصل الجوهرية في قراءة النظام الدولي المعاصر هو التحوّل في كيفية إدراك الولايات المتحدة لدورها في العالم. في العقود الماضية، كان الدور الأمريكي يُنظر إليه كقوة قيادية للترتيبات الدولية القائمة على القواعد، لكنها في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 تجلّت بصورة أكثر شرطية وواقعية من ذي قبل.[3]
خلال فعاليات المؤتمر، كان الموقف الأمريكي متجذرًا في فكرة أن الالتزامات الدولية يجب أن تُقاس بمدى تحقيقها للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وليس فقط بصياغات قانونية أو خطاب سياسي. تصريحات مسؤولين أمريكيين كبار مثل وزير الخارجية ماركو روبيو كانت تحاول إعادة رسم العلاقة مع الحلفاء على أساس «شراكة عملية متبادلة المصالح» بدلًا من حماية تلقائية غير مشروطة.[4] وقد عبّر روبيو عن هذا الموقف بشكل واضح حين قال إن الولايات المتحدة مستعدة لشراكات قوية، لكن بشرط أن تكون لهذه الشراكات نتائج ملموسة تُسهم في الأمن الجماعي، لكن وفق مصالح الأمريكان أولًا.
هذه الرؤية الأمريكية تُعدّ انعكاسًا لتحول داخل السياسة الأمريكية نفسها؛ إذ يبدو أن المصالح الوطنية الأمريكية لم تعد متوافقة دائمًا مع الترسانة القانونية والمؤسسية للنظام الدولي. يمكن رؤية ذلك في المواقف الأمريكية تجاه ملفات مثل أوكرانيا، حيث بدأت الولايات المتحدة تُظهر علامات تفضيل لحلول سياسية أكثر واقعية بدلًا من التمسك غير المشروط بمواقف سابقة. كما تجلى ذلك في الموقف من الشرق الأوسط، حيث تمت مزامنة الحجج الأمنية والاستراتيجية مع الخطاب المحلي حول السيادة والأولوية الوطنية.
هذا التحول في الدور الأمريكي يؤثر مباشرة على العلاقات عبر الأطلسي. فقد بدا واضحًا في تصريحات القادة الأوروبيين إحساسهم بـ«قلق عدم اليقين» من التزامات واشنطن، ما يدفعهم نحو إعادة التفكير في استراتيجياتهم الدفاعية والسياسية، وربما تقليل الاعتماد الكامل على واشنطن.[5]
على الجانب الآخر، يعكس هذا التحول الأمريكي حقيقة تنافس القوة الدولية بين قوى كبرى، وفي إطارها أصبحت الولايات المتحدة لا ترى نفسها مُلزمة دائمًا بالبقاء كحارس للنظام القائم بالشكل نفسه الذي اعتُمد في الماضي. إن الولايات المتحدة، وفق تصورات متحدثي المؤتمر، تعمل اليوم على مزج بين الحفاظ على دورها القائد، وبين استعادة توازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، وهو ما يُظهر روحًا من الواقعية الاستراتيجية التي تتجاوز الالتزامات القديمة.
3. المأزق الأوروبي وإعادة التموضع الأطلسي
تُعد أوروبا أحد أكثر الأطراف تأثرًا بتقلبات النظام الدولي الراهنة، وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال نقاشات مؤتمر ميونخ للأمن 2026. بدت القارة الأوروبية أمام مفترق استراتيجي بامتياز: بين الاعتماد المستمر على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وبين السعي نحو استقلال استراتيجي حقيقي في الأمن والدفاع.
إحدى أكثر التصريحات رمزية في المؤتمر جاءت من رئيسة المفوضية الأوروبية، حين دعت إلى تفعيل المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي المادة التي تتطلب تعاون الدول الأعضاء في حال تعرض أي منها لتهديد أمني. هذه الدعوة لا تعكس فقط رغبة في زيادة الإنفاق الدفاعي، بل تعبيرًا عن وعي أوروبي متزايد بأن الاعتماد على الولايات المتحدة قد لا يكون كافيًا في سيناريوهات الأزمات الكبرى.[6]
خلال المؤتمر، عبّر العديد من القادة الأوروبيين عن قلقهم من «عدم اليقين» في التزامات واشنطن، ما دفعهم إلى إعادة التفكير في إمكانيات البناء الاستراتيجي الخاص بهم. وقد تزامن ذلك مع مناقشات جادة عن ضرورة تطوير بنى دفاع مشترك على مستوى الاتحاد، تضم القدرات العسكرية المتقدمة، نظم الاستجابة السريعة، والقدرة على التصدي للتهديدات في مجالات متعددة مثل الفضاء السيبراني والطاقة.
لكن التحدي الأوروبي ليس موحدًا. هناك انقسامات بين الدول الأعضاء حول عمق ومستوى الاستقلال الاستراتيجي المطلوب. بعض الدول ترى أن الاعتماد على الولايات المتحدة لا يزال ضروريًّا للحماية الكاملة، خاصة في سياق الردع النووي؛ بينما ترى دول أخرى أن تعزيز القدرات الذاتية هو السبيل الوحيد لتقليل الاعتماد والاضطرار إلى توزيع أدوار أكثر توازنًا.
هذا المأزق بين اعتماد تقليدي على واشنطن وبين تصوّر جديد للاستقلال الاستراتيجي يُظهر أن أوروبا لا تسعى إلى فصل كامل عن التحالفات التقليدية، بل تريد تحقيق شراكات مستقرة لكن بشروط تُمكّنها من تحديد مساراتها الاستراتيجية الخاصة. وقد بدا هذا الجدل واضحًا في الجلسات المغلقة للمؤتمر، حيث أُشير إلى أن أوروبا بحاجة إلى تطوير قدرتها على المساهمة في الأمن الدولي، ليس فقط كمتلقٍّ للدعم، بل كشريك فاعل قادر على تقديم قوة ردع ذاتية.
خلاصة: مأزق أوروبا في 2026 غير تقليدي؛ إذ لا يتعلق فقط بكفاءة الدفاع الوطني، بل بإعادة تعريف دورها الاستراتيجي ضمن منظومة تحالفات دولية تتغير قواعدها، ودفعها نحو اعتماد يشبه شراكة استراتيجية متوازنة بدلًا من الاعتماد الكامل.
4. صعود التعددية غير المنضبطة والجنوب العالمي
لن تكون المرحلة القادمة من تاريخ النظام الدولي مجرد صراع بين القوى الكبرى، بل سيتضح أكثر أن الدول غير الغربية – دول الجنوب العالمي – أصبحت اليوم لاعبًا مركزيًّا لا يمكن تجاوزه في بنية الشرعية الدولية. ومؤتمر ميونخ للأمن 2026 كان منصة انعكاس لتوسع نطاق المشاركين وتأثيرهم، بما يتجاوز الدور التقليدي الذي كانت هذه الدول تؤديه في المنتديات الأمنية.
أحد الدلالات الواضحة كان حضور وفود من آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية في مؤتمر ميونخ، ليس كضيوف هامشيين، بل كصوت طالب بمشاركة أعمق في صناعة القرارات الأمنية الدولية. هذا الحضور يعكس حالة من الوعي بأن النظام الدولي لم يعد مقصورًا على دائرة القوى الكبرى الغربية، وأن السياسات الأمنية والاستراتيجية يجب أن تأخذ في الحسبان مصالح وتطلعات هذه الدول كذلك.
الجنوب العالمي اليوم لا يطالب ببساطة بمقاعد في المؤسسات الدولية، بل يرفع دعوة إلى إعادة هيكلة النظام الدولي ليعكس توزيعًا أكثر عدالة في مراكز النفوذ والتأثير. مثال ذلك كان في النقاشات حول النزاعات الكبرى مثل أوكرانيا وغزة، حيث عبّر ممثلو هذه الدول عن موقف يتمحور حول رفض ازدواجية المعايير، وكذلك رفض استخدام القانون الدولي كأداة سياسية بدلًا من إعماله بموضوعية.
كما أن هذه الدول باتت ترى أن الحلول الأمنية لا يمكن أن تكون رفاهية الدول الكبرى فقط، وإنما يجب أن تضمن احترام سيادة الدول الصغيرة والمتوسطة، وتوفير فرص تأهيلية في مجالات التنمية والاستقرار. هذا الموقف يتشابه مع ما ورد في تقرير ميونخ الذي يُشير إلى أن فقدان الثقة في النظام الدولي القديم ليس مجرد ظاهرة غربية فقط، بل يمتد ليشمل شعورًا عالميًّا متزايدًا بأن قواعد اللعبة الحالية تهيمن عليها قوة لا تعكس الشرعية الجماعية.
تتطلب هذه التعددية غير المنضبطة فهمًا أوسع للسياسات الدولية؛ فالأزمات العالمية اليوم مرتبطة بمعايير التنمية، وبالعدالة الاجتماعية، وبمصالح الأمن الإقليمي، وليس فقط بسياسات القوى الكبرى. ومن هنا فإن الحوار في ميونخ تجاوز ملفات الأمن التقليدي ليمس قضايا اقتصادية، بيئية، وسياسات حقوق الإنسان، بما يعكس توجهًا دوليًّا نحو نظام متعدد الأقطاب أكثر شمولًا، لكنه في الوقت نفسه أقلّ توحدًا من النظام القديم.
خلاصة: دور دول الجنوب العالمي في 2026 لم يعد هامشيًّا، بل هو عنصر فاعل في إعادة تحديد قواعد الشرعية الدولية، ما يعكس انزياحًا نحو نظام عالمي متعدد المراكز، حيث تصبح القواعد أكثر تفاوضًا وأقل فرضًا أحاديًّا.
5. الشرق الأوسط: أزمة الشرعية والازدواجية في القانون الدولي
كانت منطقة الشرق الأوسط واحدة من البؤر التي أثارت جدلًا واسعًا في مؤتمر ميونخ للأمن 2026، ليس فقط بسبب النزاعات المستمرة، بل لأن القانون الدولي وطبيعته الشرعية أصبحا محور انتقاد وجدل عشية المؤتمر.
خلال المناقشات، أثيرت قضايا مثل النزاع في غزة باعتبارها نموذجًا صارخًا لأزمة في تطبيق القانون الدولي بشكل متساوٍ وعادل. فقد عبّر عدد من المشاركين من دول عربية وأفريقية وأوروبية عن استياء واضح من ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، حيث يُنظر أحيانًا إلى تصرفات بعض الأطراف كـ«أعمال دفاع مشروعة» بينما تُوضع تصرفات أخرى في إطار «انتهاكات جسيمة»، دون تفسيرات موحدة أو واضحة للمعيار القانوني نفسه. هذا التباين أدى إلى تأزم الشرعية القانونية في النقاشات.
الوضع في غزة لم يكن نقطة خلاف فقط في الحقوق الإنسانية، بل كان أيضًا اختبارًا صريحًا لمدى قدرة المؤسسات الدولية — مثل الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية — على فرض قواعد القانون الدولي والالتزام بضوابطه. وقد أتى النقد من بعض المسؤولين الغربيين بأن المؤسسات الدولية فشلت في إدارة النزاع بطرق تُرضي جميع الأطراف، ما جعل القانون الدولي يبدو أقل قدرة على التأثير في الميدان الفعلي.
من ناحية أخرى، أثار هذا الوضع التساؤل حول الحاجة إلى إصلاحات جوهرية في مؤسسات القانون الدولي بحيث تصبح أكثر قدرة على التعامل مع النزاعات المركّبة والمعقدة التي تشمل أبعادًا سياسية وأمنية وإنسانية في آن واحد. وقد دعت بعض الدول المشاركة في المؤتمر إلى إعادة النظر في آليات تنفيذ القرارات الدولية، بما في ذلك مدى ملاءمة الهياكل المؤسسية الحالية للواقع الجيوسياسي الجديد.[7]
بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك دعوات متزايدة إلى تبني معايير قانونية أكثر وضوحًا وشفافية، بما يقلل إمكان التفسيرات المتعددة التي تُستخدم في كثير من الأحيان لأغراض سياسية أو استراتيجية. هذا يشير ضمنيًّا إلى أن القانون الدولي لم يعد يُنظر إليه كمرجعية مطلقة غير قابلة للنقاش، بل كأداة تحتاج إلى تطوير مستمر لمواجهة تحديات العصر الحديث.
6. الاقتصاد العالمي وأمن سلاسل التوريد
في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية، لم يعد الحديث عن الاقتصاد العالمي مجرد نقاش حول النمو أو التجارة الحرة، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًّا في الأمن الدولي بقدر ما هو اقتصادي. مؤتمر ميونخ للأمن 2026 أبرز كيف أن سلاسل التوريد، التي كانت يُنظر إليها في السابق كمسألة اقتصادية بحتة، أصبحت اليوم محورًا أساسيًّا في صنع القرار الاستراتيجي العالمي.
أحد أبرز التحولات في النقاشات الاقتصادية خلال المؤتمر كان الإدراك المشترك بين دول متعددة بأن العولمة لم تعد مفهومًا موحدًا ومطلقًا. فقد قدمت العديد من الوفود الأوروبية والأمريكية والآسيوية خطة مفاهيمية تُعرف بـ de-risking أو تقليل المخاطر في سلسلة الإمداد بدلًا من فصل كامل عن الشركاء الاقتصاديين. هذا التوجه يعكس إدراكًا بأن البيئة الاقتصادية الدولية لم تعد تعتمد فقط على الكفاءة السوقية، بل أصبحت محفوفة بالمخاطر الأمنية والسياسية.
كان هناك نقاش حول الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، خاصة في ضوء التوترات الروسية-الأوروبية، وكذلك تنويع مصادر المواد الخام التي تُستخدم في الصناعات المتقدمة مثل الشرائح الإلكترونية والطاقة المتجددة. وقد دعا بعض الخبراء في المؤتمر إلى ضرورة تطوير سلاسل توريد آمنة ومرنة يمكن أن تتحمل الصدمات السياسية والاقتصادية دون أن تؤثر سلبًا على الاستقرار الوطني والوظائف الصناعية الحيوية.
كما كانت هناك مناقشات حول التكنولوجيات الحيوية والرقمية، وكيف أصبحت السيطرة على هذه المجالات جزءًا من الأمن القومي، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضًا للسيطرة على المستقبل التكنولوجي. وقد أشار بعض الخبراء المشاركين إلى أن التنافس في مجال التكنولوجيا (مثل الذكاء الاصطناعي وتصنيع الشرائح) قد يصبح أكثر توترًا من التوترات التقليدية في التجارة الدولية.
هذا التغير في مقاربة الاقتصاد العالمي يشير إلى أن الأمن الاقتصادي اليوم هو جزء لا يتجزّأ من الأمن السياسي والاستراتيجي. تحولات سلاسل التوريد تعبّر عن رغبة الدول في تقليل التبعيات الحيوية، وخلق نماذج شراكات اقتصادية أكثر أمانًا وانتظامًا، يمكن أن تتحمل الصدمات وعدم الاستقرار الدولي.
7. الأمن الأوروبي وأزمة الردع
أمن أوروبا كان محور اهتمام كبير في مؤتمر ميونخ للأمن 2026، ليس فقط بسبب الحرب الجارية في أوكرانيا، ولكن بسبب التساؤلات العميقة حول قدرة أوروبا على حماية نفسها والدفاع عن مصالحها دون الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة. هذا النقاش يعبر عن حالة جديدة في بنية الأمن الأوروبي، وهو ما ينعكس في الخطاب الرسمي وتصريحات القادة المشاركين.
في المؤتمر، أشار العديد من الزعماء الأوروبيين إلى أن أوروبا تواجه تحديات غير مسبوقة، بما في ذلك الضغط الروسي في الجوار الشرقي، والتهديدات السيبرانية، والأزمات الاقتصادية. وقد تمّ التشديد على أن السياسة الدفاعية لا يمكن أن تقتصر على استجابة أحادية الجانب لتهديد معين، بل يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تتكامل فيها القدرات العسكرية، التقنية، والسياسية.[8]
هذا المفهوم الواسع للأمن يرتبط بتحديات مثل تطوير منظومات دفاع جوي مشتركة، وتعزيز القدرات البحرية، وتنظيم الاستجابة السيبرانية، وتحسين التعاون في الاستخبارات، وتنمية الصناعة الدفاعية الأوروبية ذاتها. وقد أجمعت تصريحات المشاركين في جلسات المؤتمر على أن إنجاز ذلك يتطلب تكاملًا حقيقيًّا بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما يتجاوز مجرد زيادة الإنفاق الدفاعي، إلى بناء أنظمة متداخلة التبعية يمكنها العمل كمنظومة واحدة.
من الناحية الاستراتيجية، هناك أيضًا نقاشات حول الردع النووي الأوروبي. في ضوء التحديات الراهنة، ظهرت آراء تقول إن أوروبا يجب أن تعيد التفكير في دورها في الردع النووي، سواء عبر مشاركة استراتيجية حديثة مع الولايات المتحدة، أو حتى عبر تطوير دور نووي أوروبي مستقل، وهو نقاش كان في الماضي يثير الجدل ولا يزال محاطًا بحذر كبير.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في التوجه العام للأمن الأوروبي بعيدًا عن مجرد الارتكاز على حليف قوي (الولايات المتحدة)، إلى بناء بنية دفاعية تستطيع أن تؤمن أوروبا بمفردها في أزمات متعددة الجبهات. وقد أكد كثير من المشاركين في المؤتمر على أن أوروبا بحاجة إلى توازن بين الاعتماد على القدرات الأمريكية وبين تطوير قدراتها الذاتية، بحيث يصبح لديها مرونة استراتيجية تسمح لها بالتحرك في سياقات مختلفة.
خلاصة: الأمن الأوروبي في 2026 يمر بمرحلة إعادة تعريف جوهرية؛ إذ لا يتعلق فقط بالدفاع العسكري، بل بقدرة أوروبا على تشكيل نظام ردع، واستعداد يمكن أن يوازن بين الاعتماد التقليدي على واشنطن وبين تطوير سياسة دفاعية مستقلة وفعالة.
8. القانون الدولي وأزمة المؤسسات
أزمة القانون الدولي ومؤسسات النظام الدولي ليست جديدة، لكنها بلغت ذروة واضحة من النقد والتحليل خلال مؤتمر ميونخ للأمن 2026، فقد عبّر العديد من المشاركين والمراقبين عن مخاوف عميقة من أن المنظمات الدولية الحالية لم تعد مُصمَّمة للتعامل مع التعقيدات المعاصرة في النزاعات والصراعات.
في السنوات الماضية، كانت الأمم المتحدة والمنظمات الفرعية يُنظر إليها كركائز أساسية للشرعية والالتزام بالقانون الدولي. لكنها اليوم تواجه انتقادات متزايدة من أن الآليات التي تمتلكها هذه المؤسسات غير كافية للتعامل مع النزاعات التي تتسم بتشابك الأبعاد الأمنية والسياسية والإنسانية، مثل الحرب في أوكرانيا، الأزمات في الشرق الأوسط، وتأثيرات التنافس الأمريكي-الصيني في مناطق متعددة.[9]
أحد أبرز التحديات التي نوقشت في المؤتمر كان الازدواجية في تطبيق القانون الدولي. فقد أكد بعض المتحدثين أن هناك فجوة بين النصوص القانونية والمنظومة التنفيذية الفعلية، بحيث تصبح القرارات الدولية قابلة للتفسير المتعدد، وتُستخدم لغايات سياسية أكثر من عدّها أدوات لحماية السلم والأمن الدوليين. هذا الانتقاد لم يأتِ فقط من دول الجنوب العالمي، بل حتى من بعض الدول الغربية التي ترى أن الفاعلية القانونية للمؤسسات الدولية قد تضاءلت أمام الواقع العملي.
كما أن هناك قلقًا من ضعف آليات التنفيذ؛ فحتى عندما تُصدَر قرارات دولية واضحة، فإن قدرتها على التطبيق في الواقع الميداني تبقى محدودة للغاية، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًّا حول قيمة هذه القرارات نفسها. وهذا يتطلب التفكير في إصلاحات عميقة للمؤسسات الدولية، تشمل ليس فقط تحديث الهياكل المؤسسية، بل إعادة تصميم آليات التنفيذ والمساءلة والتقييم.
بعض المشاركين دعا إلى إعادة تحديد معايير الشرعية الدولية بحيث تصبح أقل قابلية للتفسير السياسي، وأكثر قدرة على فرض التزامات واضحة على الدول بغض النظر عن حجمها أو قوتها. وهذا يشمل مناقشة دور مجلس الأمن، وآليات الحماية الدولية، وإدخال تحديثات تعكس التحولات الجديدة في القوى العالمية.
9. دور روسيا والصراع الروسي-الأوكراني
الصراع الروسي-الأوكراني هو أحد أكثر الملفات التي أثّرت في التفكير الاستراتيجي العالمي في العقد الماضي، وقد كان حضور هذا الملف قويًّا في مؤتمر ميونخ للأمن 2026، ليس فقط كقضية نزاع عسكري، بل كمنطقة اختبار لقدرة النظام الدولي على فرض قواعده وحماية الدول الصغرى.
خلال المؤتمر، كرر الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي تأكيده على ضرورة ضمانات أمنية طويلة الأجل كي تكون الأرضية لأي تسوية سياسية مستدامة.[10] هذا الطلب لا يعكس فقط موقفًا سياسيًّا، بل يعكس قلقًا عميقًا من عدم اليقين في الالتزامات الدولية، خاصة بالنظر إلى تقلب العلاقات بين القوى الكبرى. ففي السنوات الماضية، كانت واشنطن وبروكسل توفران دعمًا قويًّا لأوكرانيا، لكن النقاشات الأخيرة في ميونخ أظهرت أن بعض القوى تميل إلى حلول سياسية مرحلية بدل الاستمرار في دعم لوجستي طويل الأمد.
من جانب آخر، اعتبر بعض المراقبين أن روسيا استطاعت استخدام أدوات التنافس الجيوسياسي لصالحها؛ فقد استغلت الانقسامات في التحالفات الغربية، واستفادت من حالة عدم اليقين الأمريكي، وركزت على محاولة فرض واقع جديد على الأرض من خلال إحداث تغييرات في خطوط السيطرة. وهذا بدوره يعكس أن الحرب لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل أصبحت مقياسًا لقدرة النظام الدولي على إدارة التوترات الكبرى.
النقاش في المؤتمر لم يقتصر على مجرد تبادل تصاريح، بل تمحور حول تساؤلات استراتيجية:
- هل يمكن للغرب أن يضمن أمن الدول الصغيرة دون أن ينجرّ إلى صراع مباشر واسع؟
- ما دور الحلفاء في وضع إطار تفاوضي واقعي؟
- هل تصبح الحرب الطويلة نقطة تحويلية تقوّض قواعد النظام الدولي؟
هذه الأسئلة تتداخل مع التحديات الأساسية التي يشير إليها تقرير ميونخ: أن الالتزامات الدولية قد لا تكون ثابتة بعد الآن، وأن الدول قد تحتفظ بحقها في إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية وفق نتائج النزاعات.
10. فرص وإمكانات النظام الدولي الجديد
رغم التشخيص القاتم الذي يقدّمه تقرير ميونخ 2026، فإن واقع النقاشات خلال مؤتمر ميونخ الأمني يشير إلى أن مرحلة التحول الراهنة قد تفتح نافذة من الفرص لإعادة بناء نظام دولي أكثر عدالة وفاعلية، شريطة معالجة الشواغل البنيوية التي تواجهها المؤسسات والالتزامات الدولية.
أولًا، وجود إرادة إصلاحية: بعض المشاركين في المؤتمر، بما في ذلك القوى الكبرى، أشاروا إلى الحاجة الملحّة لإصلاح المؤسسات الدولية، لا لإعادتها إلى ما كانت عليه، بل لجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات المعقدة. وقد تمت مناقشة تحديث آليات مجلس الأمن، وإعادة النظر في آليات الحماية الجماعية، وتحسين آليات المساءلة الدولية. مثل هذه المبادرات إذا تحققت، يمكن أن تُعيد بناء مصداقية النظام الدولي.
ثانيًا، التعاون التقني والدفاعي:أوضح الحوار في المؤتمر أن هناك رغبة متزايدة في تطوير شراكات تقنية متعددة الأطراف في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وتقنيات الطاقة النظيفة، وهو ما يمكن أن يُمثّل أرضية للتعاون بدلًا من التنافس الصارم. كذلك أُشير إلى أن التعاون الدفاعي الأوروبي يمكن أن يوفر نموذجًا جديدًا لسياسات أمنية مرنة بين الدول.
ثالثًا، مشاركة أوسع لدول الجنوب العالمي: وجود صوت دول الجنوب في النقاشات الدولية يُعد فرصة لبناء نظام أكثر شمولًا. هذه الدول لم تعد تكتفي بالمطالبة بالمقاعد، بل تطالب بإعادة كتابة بعض القواعد الأساسية للشرعية الدولية، بما يعكس التوازن القيمي والاقتصادي الأكبر.
رابعًا، الاقتصاد كقوة داعمة للاستقرار: التوجه نحو تقليل المخاطر وسلاسل توريد أكثر أمانًا قد يدفع الدول إلى إعادة التفكير في العلاقات الاقتصادية بما يخدم أيضًا الاستقرار السياسي. فالأمن الاقتصادي اليوم جزء لا يتجزّأ من الأمن القومي، ويمكن الدول من عمق صناعي أكبر.
مع ذلك، لا يجب أن تُقرأ هذه الفرص بشكل مُثالي. فالنظام الدولي الجديد لن يكون إعادة إنتاج لما كان سابقًا، بل سيكون صياغة متجددة لعلاقات القوة والمصالح المشتركة، تحتاج إلى تفاهمات استراتيجية عميقة بين القوى الكبرى، واستجابة فعّالة لطموحات الدول الأصغر.
[1] Munich Security Conference. (2026, February 10). Recap: MSC Kick-off 2026. Retrieved from https://securityconference.org/en/news/full/recap-msc-kick-off-2026/
[2] Naughtie, A. (2026, February 13). Merz warns Munich Security Conference freedom is no longer a given. Euronews: https://www.euronews.com/my-europe/2026/02/13/merz-warns-munich-security-conference-freedom-is-no-longer-a-given?utm_source=chatgpt.com
[3] Pamuk, H. (2026, February 14). Rubio tells Munich security forum that US and Europe belong together. Reuters. https://www.reuters.com/business/media-telecom/rubio-tells-munich-security-forum-that-us-europe-belong-together-2026-02-14/?utm_source=chatgpt.com و
[4] Galvin, S. (2026, February 14). Marco Rubio slams UN at Munich Security Conference for failing Israeli hostages: ‘Has no answers’. New York Post.
[5] Xinhua News Agency. (2026, February 14). Transatlantic rifts in focus as Munich Security Conference kicks off. https://english.news.cn/20260213/b2c2a5bb0e5c4ce2a106b7d77b1e0626/c.html?utm_source=chatgpt.com
[6] Foy, H. (2026, February 14). Von der Leyen says Europe must bring its mutual defence clause ‘to life’. Financial Times
https://www.ft.com/content/30ee3ac3-f1b1-42e6-a802-f19bf2f34a39?utm_source=chatgpt.com
[8] Raemason, S. (2026, February 14). RULE THE WAVES: Britain to deploy warship strike force & stealth jets to Arctic in ‘Operation Firecrest’ ready for showdown with Putin. The Scottish Sun
[9] Munich Security Conference for failing Israeli hostages: ‘Has no answers’. New York Post.
[10] Guardian staff and agencies. (2026, February 15). Ukraine war briefing: Zelenskyy denounces Vladimir Putin as ‘slave to war’ at Munich conference. The Guardian.