Insight Image

نحو مؤشر علمي لقياس التضليل الرقمي: قراءة في تقرير SIMODS لقياس البنية الرقمية للتضليل في أوروبا

08 أبريل 2026

نحو مؤشر علمي لقياس التضليل الرقمي: قراءة في تقرير SIMODS لقياس البنية الرقمية للتضليل في أوروبا

08 أبريل 2026

نحو مؤشر علمي لقياس التضليل الرقمي: قراءة في تقرير SIMODS لقياس البنية الرقمية للتضليل في أوروبا

لم يعد التضليل الرقمي في أوروبا مجرّد ظاهرة إعلامية عابرة، أو انحرافًا هامشيًّا في تدفّق المعلومات داخل الفضاء الرقمي، بل تحوّل إلى مكوّن بنيوي يتقاطع فيه الإعلامي بالسياسي، والاقتصادي بالتقني، والثقافي بالمؤسسي، بما يجعله أحد أبرز التحديات التي تواجه المجال العام الأوروبي المعاصر. فالمشكلة لم تعد تقتصر على وجود محتوى كاذب أو مضلل ينتشر على نحو متفرّق بين المستخدمين، وإنما باتت تتعلق أكثر فأكثر بالشروط البنيوية التي تسمح لهذا المحتوى بالظهور، والانتشار، والتأثير، والاستمرار، داخل بيئات رقمية صارت تشكّل الوعاء الأساسي لتداول الأخبار، وصناعة الرأي العام، وإدارة النقاش العمومي.

وفي هذا المعنى، فإن خطورة التضليل الرقمي لا تكمن فقط في قدرته على تشويه الوقائع أو إرباك الإدراك الجماعي للأحداث، بل أيضًا في تأثيره المباشر على جودة الديمقراطية، وسلامة التداول العمومي للمعلومات، وقدرة المجتمعات على اتخاذ قرارات عقلانية ومستنيرة في القضايا الكبرى التي تمسّ الأمن، والصحة، والهجرة، والسياسة، والحرب، والمناخ. ولهذا لم يعد ممكنًا النظر إلى التضليل بوصفه مجرد “محتوى سيئ” يمكن عزله أو تصحيحه بشكل موضعي، بل بات من الضروري التعامل معه باعتباره نتاجًا لنظام رقمي أوسع تُسهم في تشكيله خوارزميات التوصية، وهياكل التفاعل، وآليات التربّح، واختلالات الوصول إلى البيانات، فضلًا عن تفاوت مستويات التنظيم والمساءلة بين المنصات المختلفة. وهذه هي النقطة الجوهرية التي يضعها تقرير Structural Indicators to Monitor Online Disinformation Scientifically [1] SIMODS في قلب تحليله.

يشرف على هذا التقرير Science Feedback بالشراكة مع عدد من الهيئات البحثية والتنظيمات المتخصصة في التحقق من المعلومات، مثل Universitat Oberta de Catalunya، وCheck First، وNewtral، وDemagog SK، وPravda. وتكمن الأهمية المعرفية والسياسية لهذا المشروع في أنه لا يكتفي برصد وجود التضليل أو توصيفه، بل يسعى إلى قياس حالته البنيوية داخل المنصات الرقمية الكبرى في أوروبا، انطلاقًا من مقاربة علمية مقارنة تهدف إلى إنتاج مؤشرات هيكلية تسمح بفهم مدى اختراق التضليل للفضاء الرقمي الأوروبي، ومدى استفادته من بنية المنصات نفسها. وبذلك ينتقل التقرير من مستوى الانطباعات العامة أو النقاشات الخطابية حول “تفشي التضليل” إلى مستوى القياس المنهجي القابل للمقارنة عبر الزمن والمنصات والدول.

ويقوم التقرير على فكرة بالغة الأهمية، وهي أن تقييم حالة التضليل الرقمي لا ينبغي أن يُختزل في تحليل المحتوى الكاذب أو المضلل بوصفه وحدات منفصلة، بل يجب أن يشمل أيضًا البنية التي تستقبله وتُعيد إنتاجه وتُكافئه. فالمسألة، وفق هذا المنظور، ليست فقط: هل توجد معلومات مضللة على المنصة؟، بل أيضًا: إلى أي مدى تُنتج المنصة بيئة مرحِّبة بهذا النوع من المحتوى؟ وهل تمنحه أفضلية في الوصول والتفاعل والانتشار؟ وهل تتيح له فرصًا اقتصادية أو خوارزمية تفوق ما تمنحه للمحتوى الموثوق به؟ إن هذا التحوّل في زاوية النظر يمثل انتقالًا من فهم التضليل كـمشكلة محتوى إلى فهمه كـمشكلة بنية رقمية، وهو ما يمنح التقرير ثقله التحليلي الحقيقي.

وفي هذا السياق، تكتسب هذه الدراسة أهميتها من أنها لا تتعامل مع تقرير SIMODS باعتباره مجرد وثيقة تقنية، بل بوصفه نصًّا كاشفًا عن طبيعة التحول الذي أصاب البيئة المعلوماتية الأوروبية. ومن ثمَّ، فإن الغاية هنا ليست فقط عرض نتائج التقرير، بل تفكيك منطقه التحليلي، وقراءة مؤشراته، واستخلاص دلالاته البنيوية والسياسية والتنظيمية.

وفي هذا السياق، تنقسم هذه الدراسة إلى مجموعة من المحاور التحليلية المتكاملة، تبدأ بالإطار المفاهيمي للتقرير، ثم المنهجية المعتمدة في قياس التضليل، فانتشار الظاهرة من حيث تحولها من مجرد وجود إلى كثافة بنيوية، يلي ذلك توسيع نطاق التحليل نحو المحتوى الإشكالي، ثم بحث مصادر التضليل والامتياز الخوارزمي، واستكشاف الموضوعات الأكثر عرضة له، وصولًا إلى تحليل طابعه الشبكي العابر للمنصات، ثم دراسة أبعاده الاقتصادية المرتبطة بالتربّح، وما يترتب على ذلك من دلالات تنظيمية وسياسية، قبل أن تُختتم الدراسة بقراءة نقدية تتجاوز المعطيات الرقمية المباشرة، لتسأل ما الذي يكشفه التقرير في عمقه البنيوي والمعرفي، أبعد من أرقامه ومؤشراته الظاهرة؟

أولًا: الإطار المفاهيمي للتقرير

ينطلق التقرير من تحوّل مفاهيمي جوهري في مقاربة ظاهرة التضليل الرقمي، قوامه الانتقال من تحليل المحتوى بوصفه وحدة معزولة إلى تحليل البيئة البنيوية التي تنتج هذا المحتوى وتعيد تدويره. فالتقرير لا يتعامل مع التضليل باعتباره مجرد “معلومة خاطئة” يمكن تحديدها وتصحيحها، بل باعتباره ظاهرة نظامية (systemic) تتغذى من تصميم المنصات الرقمية، ومنطق عمل خوارزمياتها، وطبيعة اقتصادها القائم على جذب الانتباه وتعظيم التفاعل.

وفي هذا السياق، يقدّم التقرير مفهومًا ضمنيًّا يمكن وصفه بـ “القابلية البنيوية للتضليل”، أي درجة استعداد المنصة الرقمية (بحكم بنيتها التقنية والاقتصادية) لاستقبال المحتوى المضلل، وتيسير انتشاره، وربما مكافأته. وبهذا المعنى، لا يعود السؤال الأساسي: هل يوجد تضليل؟ بل يصبح: إلى أي مدى تُنتج المنصة بيئة مواتية للتضليل مقارنة بالمحتوى الموثوق به؟

ويستند التقرير إلى التمييز الذي تعتمد عليه مدونة السلوك الأوروبية بشأن التضليل، والتي تُعرّف التضليل بوصفه معلومات قابلة للتحقق على أنها كاذبة أو مضللة، تُنتَج وتُقدَّم وتُنشر لتحقيق مكاسب اقتصادية، أو بقصد تضليل الجمهور، وقد تسبب ضررًا عامًّا. ويلاحظ التقرير أن هذا التعريف الوظيفي يشمل عمليًّا ما يُعرف تقليديًّا بـالمعلومات الخاطئة (misinformation) والمعلومات المضللة (disinformation) معًا، ولهذا يستخدم اختصار mis/disinformation لتفادي اللبس، وللدلالة على أن التحليل لا يتوقف عند نيّة الناشر بقدر ما يركّز على الأثر البنيوي للمحتوى داخل المنصة.

كما يتبنّى التقرير تمييزًا تحليليًّا بالغ الأهمية بين ثلاث دوائر متداخلة:

  1. التضليل الصريح: محتوى يتضمن ادعاءات خاطئة قابلة للتحقق.
  2. المحتوى الحدّي (Borderline Content) :لا يقدّم كذبًا مباشرًا بالضرورة، لكنه يعزّز سرديات مضللة، أو يحرّف السياق، أو يوظّف الانتقاء الإيحائي.
  3. المحتوى الإشكالي (Problematic Content) :ويشمل، إضافة إلى ما سبق، المحتوى المسيء، أو الضار، أو الاستقطابي.

تكمن أهمية هذا التوسيع المفاهيمي في أنه يحرّر تحليل التضليل من الاختزال الإخباري، ويعيد وضعه في سياق أوسع يتعلق بكيفية إنتاج الالتباس والشك والاستقطاب داخل المجال العام الرقمي. فالمحتوى المضلل لا يعمل دائمًا عبر الكذب الصريح، بل كثيرًا ما يعمل عبر الإيحاء، وإعادة التأطير، والانتقاء، وتكثيف الانفعال، وهي آليات أشد خطورة لأنها أكثر صعوبة في الرصد، وأكثر قابلية للانتشار.

ومن هنا، يضع التقرير أربعة مؤشرات بنيوية تشكّل الإطار المفاهيمي لقياس الظاهرة:

  • انتشار التضليل (Prevalence of Disinformation)؛
  • مصادر التضليل (Sources of Disinformation)؛
  • قابلية التضليل للتربّح (Monetization of Disinformation)؛
  • الطابع العابر للمنصات (Cross-platform Aspects of Disinformation).

ولا يقدّم كلّ مؤشر من هذه المؤشرات مجرد رقم أو نسبة، بل يكشف جانبًا من البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تسمح للتضليل بالتحول من خطاب هامشي إلى عنصر مؤثر في البيئة الرقمية. فقياس الانتشار يكشف درجة اختراق التضليل للمجال العام الرقمي؛ وقياس المصادر يبيّن من هم الفاعلون الأكثر قدرة على إنتاجه وتكراره؛ وقياس التربّح يكشف إن كانت المنصات لا تزال تمنحه حوافز اقتصادية؛ بينما يكشف القياس العابر للمنصات عن الطابع الشبكي والمتنقل لهذه الظاهرة. ومن هنا تتضح القيمة التحليلية للتقرير بوصفه لا يدرس “أخبارًا كاذبة” متفرقة، بل يدرس نظامًا متكاملًا لإنتاج التضليل وتدويره وتكثيفه.

ثانيًا: المنهجية المعتمدة في قياس التضليل

اعتمد التقرير منهجية كمية-مقارنة متعددة المستويات، صُمّمت خصيصًا لتجاوز قصور المقاربات السابقة. وقد شملت الدراسة ست منصات رقمية كبرى مصنّفة ضمن Very Large Online Platforms (VLOPs):

  • Facebook
  • Instagram
  • LinkedIn
  • TikTok
  • X
  • YouTube

وذلك في أربع دول أوروبية:

  • France
  • Poland
  • Slovakia
  • Spain

ويُشير التقرير إلى أن هذا الاختيار ليس اعتباطيًّا، بل يهدف إلى تغطية منصّات عالية الانتشار، وسياقات وطنية متنوعة داخل الاتحاد الأوروبي، بما يسمح بقياس الظاهرة على نحو أكثر تمثيلًا.

  1. بناء العيّنات

تمّ بناء العيّنات انطلاقًا من مجموعات واسعة من الكلمات المفتاحية متعددة اللغات، صاغها مدققو حقائق محترفون، بهدف التقاط المحتوى المتعلق بموضوعات عالية الحساسية في المجال العام الأوروبي، وهي:

  • الصحة
  • الحرب الروسية–الأوكرانية
  • السياسة الوطنية
  • الهجرة
  • المناخ

ويمثّل اختيار هذه الموضوعات قرارًا منهجيًّا مهمًّا، لأنها تشكل مناطق عالية الكثافة للتضليل، حيث تتقاطع المصالح السياسية والانفعالات الجماعية، ويكون الرأي العام أكثر عرضة للتأثير.

  1. جمع البيانات

أُنتجت مجموعات البيانات بطريقتين رئيسيتين:

  • إما عبر بيانات قدّمتها المنصات مباشرة كما في حالة LinkedIn.
  • أو عبر عمليات جمع واسعة النطاق نفّذها المشروع نفسه، في ضوء محدودية تعاون المنصات مع الباحثين.

ويُشير التقرير إلى نقطة منهجية وسياسية شديدة الأهمية: فعلى الرغم من أن المادة 40 من قانون الخدمات الرقمية (DSA) تتيح نظريًّا للباحثين الوصول إلى بيانات المنصات، فإن معظم المنصات لم توفّر البيانات المطلوبة في الوقت المناسب. بل إن LinkedIn كانت المنصة الوحيدة التي وفّرت عيّنة عشوائية وفق طلب الباحثين، بينما حصل المشروع على وصول إلى واجهة برمجة TikTok متأخرًا بما لا يسمح بإدماجها في دورة جمع البيانات الأولى. وهذه الملاحظة ليست تقنية فحسب، بل تكشف أن إنتاج المعرفة المستقلة حول التضليل ما يزال رهينًا جزئيًّا بإرادة المنصات نفسها.

  1. التحقق والتصنيف

أُخضعت المواد إلى تقييم من طرف مدققي حقائق محترفين، باستخدام بروتوكولات تصنيف دقيقة. ويبرّر التقرير هذا الاختيار بأن هؤلاء المدققين يمتلكون، بحكم عملهم اليومي، الخبرة الأكثر ملاءمة لتحديد المحتوى المضلل أو الحدّي أو المسيء. كما خضعت المنهجية للمراجعة من طرف باحثين في Universitat Oberta de Catalunya لضمان الصرامة الإحصائية والمنهجية.

  1. القيمة المنهجية

الميزة الأساسية لهذه المنهجية هي أنها لا تقيس ما يبحث عنه المستخدم عمدًا، بل ما يتعرض له فعليًّا أثناء التصفح اليومي. وهذا يمثل تحولًا من:

  • قابلية العثور (Findability) إلى
  • قابلية التعرض (Exposure)

وهذا الفارق بالغ الأهمية، لأن التأثير الحقيقي للتضليل لا يتحدد بما يمكن العثور عليه نظريًّا، بل بما يصل فعليًّا إلى المستخدمين داخل التدفقات اليومية للمحتوى. وبهذا، يقدّم التقرير ما يمكن اعتباره أكثر المقاربات اقترابًا من التجربة الواقعية للمستخدم الأوروبي داخل المنصات الرقمية.

ثالثًا: انتشار التضليل (من الوجود إلى الكثافة البنيوية)

يشكّل انتشار التضليل المؤشر الأول والأكثر مباشرة في التقرير؛ لأنه يقيس النسبة التقريبية للمحتوى الذي يتعرض له المستخدم على المنصة، ويحتوي على معلومات مضللة أو كاذبة. ويشير التقرير إلى أن هذا المؤشر لا يهدف فقط إلى معرفة ما إذا كانت المنصة تحتوي على تضليل، بل إلى قياس مدى شيوع هذا التضليل داخل بيئة الاستخدام اليومية.

وفقًا لنتائج التقرير، جاءت نسب انتشار التضليل المباشر على النحو التالي تقريبًا:

شكل (1): تمثيل بياني أفقي لمعدلات انتشار التضليل المباشر عبر المنصات الرقمية وفق تقرير SIMODS.

تكشف هذه النتائج أن المنصات لا تتساوى في قابليتها لاحتضان التضليل. فالفارق بين TikTok وLinkedIn، على سبيل المثال، لا يمكن تفسيره فقط بحجم المستخدمين أو نوع المحتوى، بل يعكس اختلافًا بنيويًّا في طبيعة المنصة نفسها. فـTikTok، بوصفه فضاءً يقوم على الفيديو القصير، والتوصية الخوارزمية المكثفة، والاستهلاك السريع للمحتوى، يبدو أكثر قابلية لتمرير السرديات المضللة وتكثيفها. في المقابل، يظهر LinkedIn كبيئة أكثر تقييدًا لهذا النوع من المحتوى، على الأرجح بسبب طبيعته المهنية، ونمط جمهوره، ومنطق التفاعل السائد فيه.

لا ينبغي فهم هذه الأرقام بوصفها نسبًا “محايدة”، بل باعتبارها مؤشرات على درجة نفاذ التضليل إلى المجال العام الرقمي. فعندما يكون واحد من كل خمسة محتويات تقريبًا على TikTok – ضمن الموضوعات المدروسة – مضللًا، فإننا لا نكون أمام “خلل عرضي”، بل أمام بيئة معلوماتية مشبعة جزئيًّا بالتضليل. وهذا يغيّر طبيعة النقاش من سؤال: هل يوجد تضليل؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ما نوع البيئة المعرفية التي تنتجها هذه المنصات لمستخدميها؟

رابعًا: من التضليل إلى المحتوى الإشكالي (اتساع دائرة الأزمة)

من أهم الإسهامات التحليلية للتقرير أنه لا يكتفي بقياس التضليل المباشر، بل يوسّع زاوية النظر ليشمل ما يسمّيه المحتوى الإشكالي” (Problematic Content)، وهو يشمل:

  • المحتوى المضلل.
  • المحتوى الحدّي.
  • المحتوى المسيء أو الضار.

ويمثل هذا التوسيع نقطة مفصلية، لأنه يبيّن أن الأزمة لا تكمن فقط في الأخبار الكاذبة، بل في البيئة الخطابية الأشمل التي تجعل من المجال الرقمي فضاءً للالتباس، والتأطير المضلل، والتحريض، والاستقطاب.

عند اعتماد هذا المقياس الأوسع، ترتفع النسب بشكل لافت:

شكل (2): التوزيع النسبي لانتشار “المحتوى الإشكالي” عبر المنصات الرقمية

 هذه النتائج شديدة الأهمية لأنها تكشف أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في “الأخبار الكاذبة” بمعناها الضيق، بل في منظومة أوسع من الخطاب الحدّي والمسيء والمضلل الذي يُفسد شروط النقاش العمومي. فحتى حين لا يكون المحتوى “كاذبًا” بمعنًى صارم، فإنه قد يكون:

  • مُنتقًى على نحو مضلل.
  • مصاغًا لإنتاج انطباع خاطئ.
  • أو مصمّمًا لتأجيج الغضب والخوف والعداء.

ومن هنا، يبيّن التقرير أن التضليل يعمل غالبًا ليس عبر الكذب المباشر، بل عبر صناعة الالتباس. وهذا ما يجعله أكثر رسوخًا في المجال العام، لأن المحتوى الحدّي يصعب حذفه أو تصنيفه بسهولة، ومع ذلك يظل فاعلًا بقوة في تشكيل الإدراك الجمعي.

إذا كانت المنصة تحتوي على ثلث محتواها تقريبًا ضمن فئة “المحتوى الإشكالي”، كما هو الحال في TikTok وX، فإننا لا نكون أمام فضاء معلوماتي سليم يتخلله بعض الانحراف، بل أمام فضاء يتكوّن جزئيًّا من الالتباس المنهجي والاستقطاب البنيوي. وهذه نتيجة أكثر خطورة من مجرد انتشار “الأخبار الكاذبة”، لأنها تمسّ نوعية المجال العام نفسه.

خامسًا: مصادر التضليل و”الامتياز الخوارزمية

من بين أكثر نتائج التقرير دلالةً، تلك المتعلقة بما يمكن تسميته علاوة التضليل أو الامتياز الخوارزمي للمحتوى منخفض المصداقية. فالتقرير لا يكتفي بقياس وجود المحتوى المضلل، بل يسأل: من هم الفاعلون الذين ينتجون هذا المحتوى؟ وهل تحظى حساباتهم بأفضلية بنيوية في الوصول والتفاعل مقارنة بالمصادر الموثوق بها؟

قاسَ التقرير هذا المؤشر من خلال مقارنة التفاعل لكل منشور لكل 1000 متابع بين الحسابات منخفضة المصداقية والحسابات عالية المصداقية. وكانت النتيجة لافتة:

هذه الأرقام تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود المحتوى المضلل، بل في أن المنصات، فعليًّا، تكافئ بعض مصادره. فالحسابات التي تكرّر نشر هذا النوع من المحتوى لا تُعاقَب بنيويًّا، بل قد تحصل في كثير من الحالات على أفضلية للانتباه تجعلها أكثر وصولًا وتأثيرًا من الحسابات الموثوق بها.

وهنا تتضح إحدى أكثر فرضيات التقرير حساسية:

المنصة قد لا تكون “محايدة” تجاه الحقيقة والكذب؛ بل قد تكون، من حيث البنية، أكثر كفاءة في نشر ما هو مثير للانتباه، ولو كان أقل مصداقية.

لا يفسّر التقرير هذه النتيجة بلغة أخلاقية، بل بلغة بنيوية. فالمحتوى منخفض المصداقية غالبًا ما يكون:

وبذلك يصبح التضليل ليس حاضرًا فقط، بل أيضًا فعّالًا من حيث الأداء الرقمي. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تعني أن الحقيقة لم تعد تتمتع بامتياز بنيوي داخل المجال الرقمي، بل قد تكون في كثير من الأحيان أقل قدرة على المنافسة خوارزميًّا.

سادسًا: ما الموضوعات الأكثر عرضة للتضليل؟

يكشف التقرير أن التضليل لا يتوزع بالتساوي على جميع الموضوعات، بل يتركز في مجالات بعينها، هي الأكثر حساسية من الناحية الاجتماعية والسياسية والعاطفية. ووفقًا للنتائج، كانت الصحة المجال الأكثر عرضة للتضليل، تليها الحرب الروسية–الأوكرانية، ثم السياسة الوطنية، مع حضور أقل نسبيًّا في موضوعي المناخ والهجرة.

يُشير التقرير إلى أن موضوع الصحة شكّل ما يقارب 43.4% من المحتوى المضلل المرصود، وهي نسبة مرتفعة للغاية. ويمكن فهم ذلك في ضوء الطبيعة الخاصة لهذا المجال، حيث يتقاطع:

  • الخوف الفردي.
  • والسلطة العلمية.
  • والثقة بالمؤسسات.
  • والتجربة الشخصية.

ولهذا تصبح الصحة بيئة مثالية لانتشار السرديات المضللة، لأن المستخدم لا يتعامل معها فقط بوصفها معلومة، بل بوصفها مسألة تمسّ الجسد، والأمان، والبقاء.

أما الحرب الروسية–الأوكرانية والسياسة الوطنية، فتمثلان بدورهما حقولًا خصبة للتضليل، لأنهما ترتبطان بـ:

  • الهوية الوطنية.
  • الاستقطاب الأيديولوجي.
  • التنافس على الشرعية.
  • وإدارة الخوف والتهديد.

ومن ثمَّ، فإن التقرير يلمح إلى أن التضليل يزدهر حيث تكون الثقة الاجتماعية هشّة، والهوية مستنفَرة، والقرار العمومي محل نزاع.

هذه النتائج تقود إلى خلاصة مهمة:

التضليل لا ينتشر عشوائيًّا، بل يتكثف حيث تكون المعرفة أكثر قابلية للتسييس، والخوف، والاستقطاب.

ومن ثمَّ، فإن فهم التضليل يقتضي دائمًا ربطه ببنية الموضوعات نفسها، لا فقط بالمنصة التي يستقر فيها.

سابعًا: التضليل بوصفه شبكةً عابرةً للمنصات

أحد أكثر الجوانب أهمية في التقرير يتمثل في انتقاله من تحليل المنصة المنفردة إلى تحليل البنية الشبكية للتضليل. فالتقرير يبيّن أن الجهات منخفضة المصداقية لا تعمل غالبًا داخل منصة واحدة فقط، بل تبني حضورًا متقاطعًا ومتعدد المنصات، بما يسمح لها بإعادة تدوير الرسائل نفسها وتكييفها مع بيئات رقمية مختلفة.

يُشير التقرير إلى أن الحسابات منخفضة المصداقية أكثر احتمالًا للوجود على: المنصات بالشكل التالي:

تكشف هذه النتائج أن التضليل لم يعد مجرد “محتوى منتشر”، بل أصبح بنية شبكية متكاملة، تتحرك عبر المنصات، وتعيد تدوير الرسائل نفسها، وتكيّفها مع كل بيئة رقمية بحسب منطقها الخاص. فالفكرة نفسها قد تظهر:

  • في شكل فيديو قصير على TikTok.
  • ثم في صيغة منشور تعبوي على X.
  • ثم في صيغة رابط أو مادة تفسيرية على Facebook أو YouTube .

وهذا يعني أن التضليل لم يعد قابلًا للفهم أو المعالجة على مستوى المنصة الواحدة فقط، بل يجب التعامل معه بوصفه إيكولوجيا اتصالية مترابطة.

إذا كانت السرديات المضللة تتحرك شبكيًّا بين المنصات، فإن أي سياسة لمكافحة التضليل تركز على منصة واحدة بمعزل عن الأخرى ستظل جزئية وقاصرة. ومن هنا، يقدّم التقرير دعمًا واضحًا لفكرة أن الحوكمة الرقمية في أوروبا تحتاج إلى مقاربة عابرة للمنصات، لا مجرد تدخلات معزولة.

ثامنًا: التربّح من التضليل (عندما يصبح الكذب نموذجًا اقتصاديًّا)

من أكثر محاور التقرير حساسية ذلك المتعلق بـMonetization of Disinformation، أي مدى قدرة الجهات منخفضة المصداقية على تحقيق مكاسب اقتصادية من المحتوى المضلل، أو من البيئات التي تستضيفه. ويكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة لأنه ينقل النقاش من المجال الأخلاقي أو الاتصالي إلى المجال الاقتصادي البنيوي.

رغم القيود الكبيرة المرتبطة بشفافية المنصات وإتاحة البيانات، يقدّم التقرير مؤشرات مقلقة، أبرزها:

هذه النتائج تكشف أن التضليل لا يعمل فقط بوصفه خطابًا أو سلوكًا إعلاميًّا، بل أيضًا بوصفه نموذجًا اقتصاديًّا. أي أن بعض الجهات لا تُنتج المحتوى المضلل فقط من أجل التأثير الأيديولوجي أو السياسي، بل أيضًا لأن هذا المحتوى:

  • يجذب الزيارات.
  • يرفع التفاعل.
  • ويتيح فرصًا لتحقيق الدخل.

وبهذا المعنى، فإن المنصة لا تكون فقط حاضنة للتضليل، بل قد تتحول، ولو بشكل غير مباشر، إلى جزء من البنية الاقتصادية التي تغذّيه.

تكشف هذه المعطيات أيضًا أن سياسات demonetization نزع الربحية التي أعلنتها بعض المنصات لا تزال جزئية وغير فعالة بما يكفي. فحتى عندما تُعلن المنصة التزامها بعدم تمويل التضليل، فإن الواقع يُشير إلى أن الاقتصاد الإعلاني لايزال يتسرب إلى جزء من هذه المنظومة. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن مكافحة التضليل لا يمكن أن تقتصر على التحقق أو الإزالة، بل يجب أن تشمل تفكيك حوافزه الاقتصادية.

تاسعًا: الدلالات التنظيمية والسياسية للتقرير

تتجاوز أهمية التقرير حدود التحليل الوصفي، لأنه يأتي في لحظة أوروبية حساسة، تزامنًا مع إدماج مدونة السلوك الأوروبية بشأن التضليل ضمن إطار قانون الخدمات الرقمية (DSA) . ويُشير التقرير بوضوح إلى أن المدونة أصبحت، اعتبارًا من 1 يوليو 2025، جزءًا تشغيليًّا من هذا الإطار، بما يجعلها مرجعًا مهمًّا في تقييم امتثال المنصات لالتزاماتها المتعلقة بالحد من المخاطر النظامية.

  1. من الخطاب إلى القياس

أحد أهم إسهامات SIMODS يتمثل في نقل النقاش من مستوى:

هل تقول المنصة إنها تكافح التضليل؟

إلى مستوى:

هل يمكن إثبات ذلك علميًّا؟

وهذا انتقال جوهري في حوكمة المجال الرقمي، لأنه يجعل المساءلة قائمة على المؤشرات والقياس، لا على النوايا والتصريحات.

  1. دعم الرقابة المستقلة

كما يقدّم التقرير نموذجًا لما يمكن تسميته المعرفة التنظيمية المستقلة، أي المعرفة التي لا تنتجها المنصات عن نفسها، بل تنتجها جهات بحثية مستقلة باستخدام أدوات قابلة للمراجعة والمقارنة. وهذه مسألة حيوية، لأن الحوكمة الديمقراطية للفضاء الرقمي لا يمكن أن تقوم على الاعتماد الكامل على ما تفصح عنه المنصات نفسها.

  1. الإشكال القائم

لكن التقرير يكشف في الوقت نفسه عن إشكال عميق: فحتى مع وجود إطار قانوني أوروبي متقدم، ما تزال إتاحة البيانات للباحثين محدودة وغير منتظمة، وهو ما يعني أن بناء مساءلة حقيقية يظل رهينًا بإرادة المنصات، أو بقدرة الباحثين على تجاوز حواجز الوصول. ومن هنا، فإن التقرير لا يقدّم أداة للقياس فقط، بل يكشف أيضًا حدود الحوكمة الأوروبية الراهنة.

عاشرًا: قراءة نقدية، ما الذي يكشفه التقرير أعمق من أرقامه؟

إذا تجاوزنا الأرقام، فإن التقرير يكشف عن أربع حقائق بنيوية كبرى:

  1. التضليل ليس استثناءً، بل جزء من المنظومة

النتائج تُشير بوضوح إلى أن التضليل لم يعد “خللًا” عارضًا، بل وظيفة جانبية ملازمة لبنية المنصات الرقمية. فهو لا يظهر رغمًا عن المنصة، بل كثيرًا ما يظهر من خلال منطقها نفسه.

  1. الخوارزميات لا تميّز أخلاقيًّا، بل تفضّل ما يجذب الانتباه

ولهذا فإن المحتوى الصادم أو الغاضب أو الملتبس غالبًا ما يربح، سواء كان صحيحًا أم لا. وبذلك تصبح الحقيقة أقل تنافسية داخل اقتصاد الانتباه.

  1. الحقيقة فقدت امتيازها البنيوي

يكشف التقرير أن البيئة الرقمية الحالية لا تمنح المحتوى الموثوق به أفضلية تلقائية، بل قد تمنح أحيانًا أفضلية للمحتوى الأقل موثوقية، إذا كان أكثر قدرة على إثارة التفاعل. وهذه نتيجة شديدة الخطورة على المدى الطويل، لأنها تعني أن المجال العام قد يتحوّل تدريجيًّا إلى فضاء تتفوق فيه الكفاءة الاتصالية على الصدقية المعرفية.

  1. المعركة ضد التضليل ليست معركة محتوى فقط، بل معركة بنية

التحقق من المعلومات ضروري، لكنه غير كافٍ. فالمشكلة ليست فقط في “ماذا يُقال”؟ بل في:

  • كيف يُوصى به؟
  • وكيف يُكافأ؟
  • وكيف يُموَّل؟
  • وكيف يُعاد تدويره؟

ومن ثمَّ، فإن أي سياسة جادة لمواجهة التضليل يجب أن تنتقل من تصحيح المحتوى إلى إعادة التفكير في هندسة البيئة الرقمية ذاتها.

خاتمة

يخلص التقرير الثاني لمشروع SIMODS إلى نتيجة مركزية مفادها أن التضليل الرقمي في أوروبا لم يعد مجرد محتوى زائف متناثر، أو انحراف محدود في بيئات التواصل الاجتماعي، بل أصبح ظاهرة بنيوية تتغذى من منطق المنصات نفسها. فبعض المنصات أكثر قابلية لاحتضان التضليل، وبعض الحسابات المضللة تحظى بامتيازات تفاعلية تفوق الحسابات الموثوق بها، كما أن آليات التربّح والانتشار العابر للمنصات لا تزال تُسهم في ترسيخ هذه الظاهرة بدل احتوائها.

ومن ثمَّ، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرحه التقرير لا يتعلق بكيفية كشف المعلومات الزائفة أو تفنيدها فقط، بل بكيفية إعادة بناء البيئة الرقمية ذاتها. فالمسألة لم تعد:

كيف نكذّب المعلومة الخاطئة؟

بل أصبحت: كيف نمنع البيئة الرقمية من أن تجعل الكذب أكثر قابلية للانتشار والتأثير والربحية من الحقيقة؟

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لتقرير SIMODSفهو لا يقدّم مجرد قياسات تقنية، بل يضعنا أمام سؤال أعمق يتعلق بمستقبل المجال العام الأوروبي، وبالقدرة على صون المعرفة الموثوق بها داخل فضاء رقمي بات يتجه، على نحو متزايد، إلى مكافأة الإثارة أكثر من الحقيقة، والانخراط أكثر من الصدقية، والانتشار أكثر من المسؤولية. وفي هذا المعنى، فإن التقرير لا يمثّل فقط أداة تشخيص، بل إطارًا تحليليًّا لإعادة التفكير في شروط الحقيقة داخل “العصر المنصاتي”.

أهم المراجع التي استند عليها التقرير:

  1. Budak, C., Nyhan, B., Rothschild, D. M., et al. (2024). Misunderstanding the harms of online misinformation. Nature.
  2. Ecker, U., Roozenbeek, J., Van Der Linden, S., et al. (2024). Misinformation poses a bigger threat to democracy than you might think. Nature.
  3. The Code of Conduct on Disinformation.
  4. European Commission. (2025). Commission Opinion on the assessment of the Code of Practice on Disinformation within the meaning of Article 45 of Regulation 2022/2065.
  5. Nenadic, I., Brogi, E., & Bleyer-Simon, K. (2024). Structural indicators to assess effectiveness of the EU’s Code of Practice on Disinformation. EUI / CMPF.
  6. European Digital Media Observatory. (2024). Structural Indicators of the Code of Practice on Disinformation: The 2nd EDMO report.
  7. Vincent, E. M., Crisan, D., & Carniel, B. (2025). Measuring the State of Online Disinformation in Europe on Very Large Online Platforms: First report of the SIMODS project. Science Feedback.
  8. TrustLab. (2023). A Comparative Analysis of the Prevalence and Sources of Disinformation across Major Social Media Platforms in Poland, Slovakia, and Spain.
  9. TrustLab. (2024). A Comparative Analysis of the Prevalence of Misinformation and Sources of Disinformation across Major Social Media Platforms in Poland, Slovakia, Spain, and France.
  10. Amarasinghe, I., Romano, S., Amidei, J., Vincent, E. M., & Kaltenbrunner, A. (2026). Uncertainty-Aware Estimation of Mis/Disinformation Prevalence on Social Media.

[1] Science Feedback. Measuring the State of Online Disinformation in Europe on Very Large Online Platforms: Second Report of the SIMODS Project. 2026. Download Report https://science.feedback.org/wp-content/uploads/2026/03/SIMODS-Report-2.pdf

المواضيع ذات الصلة