Insight Image

تأطير الإسلاموية كتهديد أمني: تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية ودلالاته

11 مارس 2026

تأطير الإسلاموية كتهديد أمني: تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية ودلالاته

11 مارس 2026

تأطير الإسلاموية كتهديد أمني: تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية ودلالاته

يمثل القرار الأمريكي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية تطورًا مهمًّا في المقاربة الدولية تجاه الإسلاموية السياسية عندما تتحول من فاعل أيديولوجي إلى فاعل أمني مسلح يهدد استقرار الدول. فالتجربة السودانية تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية انتقال جماعة الإخوان المسلمين من العمل السياسي إلى توظيف العنف المسلح والاختراق المؤسسي للدولة، وهو ما أسهم في تعميق الأزمة البنيوية التي يعانيها السودان منذ عقود. فقد ارتبطت الإسلاموية السودانية تاريخيًا ببناء شبكة معقدة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ولاسيما المؤسسة العسكرية والأمنية؛ ما جعلها لاعبًا محوريًّا في إنتاج الصراع.

وفي هذا السياق، يعكس القرار الأمريكي تحولًا نوعيًّا في إدراك المخاطر المرتبطة بالإسلاموية الإخوانية، بعد سنوات من المقاربات الغربية التي اتسمت بالبراغماتية أو الرهان على دمج الإسلاميين في المجال السياسي. إذ تشير التجربة السودانية، كما تجارب أخرى في المنطقة، إلى أن جماعة الإخوان لم تتخلَّ عن منطق التنظيم العقائدي المغلق ولا عن استخدام العنف أو التحالف مع شبكات إقليمية مسلحة، بما في ذلك علاقاتها المتنامية مع الحرس الثوري الإيراني. ومن ثم، فإن تصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية لا يمكن فهمه باعتباره مجرد إجراء قانوني أو سياسي محدود، بل بوصفه جزءًا من مراجعة أوسع لسياسات التعامل مع الإسلاموية كتهديد أمني.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل دوافع القرار الأمريكي ودلالاته السياسية والأمنية، واستكشاف انعكاساته المحتملة على مسار الصراع في السودان وعلى مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في الإقليم. ولتحقيق هذا الهدف، تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية؛ يتناول المحور الأول الإطار العام للقرار الأمريكي وأبرز الأسباب والسياقات التي أحاطت بصدوره، بينما يستعرض المحور الثاني سوابق الحظر والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على جماعة الإخوان المسلمين وشبكاتها المرتبطة، أما المحور الثالث فيناقش التبعات المحتملة للقرار على التوازنات الداخلية في السودان، في حين يتناول المحور الرابع التداعيات الأوسع لهذا التصنيف على مستقبل الجماعة ومسارات الإسلاموية السياسية في المنطقة.

أولًا: الإطار العام للقرار الأمريكي وأبرز الأسباب والسياقات

يستند الإطار القانوني لهذا القرار إلى الصلاحيات المخوّلة لوزير الخارجية بموجب قانون الهجرة والجنسية، الذي يجيز تصنيف أي منظمة أجنبية منظمةً إرهابية (FTO) إذا ثبت تورطها في أعمال إرهابية، أو أنشطة تُهدّد الأمن القومي الأمريكي.

ويكون الهدف من مثل هذه القرارات نزع شرعيتها القانونية أو السياسية عبر التّضييق التام على التّنظيمات أو الأفراد وحرمانها عن أي مُكتسبات قد تتحقق خاصة في الداخل الأمريكي، فضلًا عن تفكيك شبكاتها التي تتعرض بالتبعية للضغوط القانونية، وهو ما ينعكس على تجفيف مواردها المختلفة؛ ومن ثمّ يقلّل من القدرة على العمل بالصورة المعتادة

1– أسباب القرار

أشار قرار الخارجية الأمريكية إلى أبرز الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ هذا القرار؛ إذ أرجعه إلى ممارسات عدة قام بها جماعة “الإخوان المسلمون”، وهي([1]):

  • استخدامها العنف غير المقيد ضد المدنيين عبر جناحها العسكري – كتيبة “اللواء البراء بن مالك”؛ بهدف تقويض الجهود الرامية إلى حل النزاع في السودان، وتعزيز أيديولوجيتها الإسلامية العنيفة.
  • الإسهام بأكثر من عشرين ألف مقاتل في الحرب الدائرة في السودان؛ إذ تلقّى العديد منهم تدريبًا ودعمًا آخر من الحرس الثوري الإيراني.
  • تنفيذ مقاتلي لواء البراء بن مالك عمليات إعدام جماعية ومتعددة للمدنيين في المناطق التي سيطروا عليها، وذلك بشكل فوري بناءً على العرق أو الانتماء الإثني، أو الاشتباه في ارتباطهم بجماعات معارضة.

2- سياقات القرار

هناك مُستويان أسهما في الدفع نحو صياغة هذا القرار، وهما:

أ. ما يتعلق بالداخل الأمريكي:

هناك عاملان يغذيان بيئة صدور هذا القرار، وهما؛

  • حالة الجدل السياسي التي أحاطت بالقرار الذي صدر بحق إخوان مصر والأردن ولبنان في يناير الماضي؛ في ظل مطالبات قوى السياسية بإصدار قرار بالحظر الشامل.
  • الموقف مع إيران، سواء إخوان السودان، الذين يحظون بدعم الحرس الثوري، الذي انتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة؛ من خلال تزويد الفصائل المتحاربة في الصراع المدمر، الذي استمر 14 شهرًا في السودان بطائرات من دون طيار([2]وهو ما جعل السودان يوصف بأنه الوكيل الجديد لإيران([3]) وجدد الدعم الذي قدمه “الإخوان المسلمون” بعد الهجوم الحالي على النظام الإيراني، ودعواتها للمسلمين للانتفاض ضد الولايات المتحدة وإسرائيل من الدعوة لضرورة أن تكون جماعة الإخوان المسلمين الهدف التالي بعد رجال الدين في إيران. ([4])

ب. ما يتعلق بالداخل السوداني:

دفع تأزم وتيرة الصراع الدائر نحو ضرورة تفكيك الأوضاع الراهنة بحظر الإخوان المسلمين، دعّم ذلك استمرار تدهور الأوضاع وغياب رغبة الفاعلين في الحل السياسي. ويقوم الصراع الحالي بصورة رئيسية بين طرفين؛ الأول: القوات المسلحة السودانية/ الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان المتحالف عمليًّا مع جماعة الإخوان المسلمين، برغم نفيه المستمر، و”قوات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”([1]).

وفي ظل الحرب الدائرة بالسودان تتسارع “وتيرة التفكك المُؤسسي، وذلك على مستوى كلٍّ من السلطة المركزية، والبنى الخدمية والاجتماعية، ويعكس تصاعد لغة الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع عمق الانقسام وحِدّة الاستقطاب، إضافةً إلى تآكل وظيفة الدولة الأساسية في حماية مواطنيها وصون مرافقها الحيوية، وانتقال العنف من كونه أداة ضغط سياسي إلى نمط إدارة قائم بذاته ([5]).

وخلال الشهور الماضية، رفض طرفا الصراع مُقترحًا للتهدئة قدّمته الولايات المتحدة مع اتهام الجيش قوات الدعم السريع بشنّ هجوم، على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار. ووضع الجيش “شروط مُسبقة” وصفها مبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط بأنها “مستحيلة التنفيذ”([6]).

وفي هذا السياق المضطرب، برزت مؤشرات إضافية تعكس الطبيعة العابرة للحدود للمقاربات الأيديولوجية التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين في السودان. فقد صدرت تصريحات عن شخصيات إخوانية أبدت استعدادها للوقوف إلى جانب إيران في الحرب الجارية، بل تحدثت بعض المواقف عن إمكانية إرسال مقاتلين للمشاركة في القتال إلى جانبها. وتكشف هذه المواقف عن استمرار حضور المنطق الأيديولوجي العابر للحدود داخل بنية الجماعة، حيث تتقدم اعتبارات التضامن التنظيمي أو الأيديولوجي أحيانًا على الاعتبارات الوطنية المباشرة. كما تعكس هذه التصريحات قابلية بعض شبكات الإخوان في السودان للانخراط في تفاعلات إقليمية ذات طابع صراعي؛ الأمر الذي يعزز المخاوف الدولية من تحول هذه الشبكات إلى امتداد لصراعات إقليمية أوسع.

وفي هذا الإطار، يكتسب القرار الأمريكي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية بعدًا أمنيًّا يتجاوز حدود الأزمة الداخلية في السودان، إذ يرتبط كذلك بمحاولة الحد من تشابك الجماعة مع شبكات وتحالفات إقليمية قد تسهم في تعقيد بيئة الصراع وتوسيع نطاقه.

3– نتائج القرار

بموجب قرار وزارة الخارجية الأمريكية([7])؛

  • تُجمّد جميع الممتلكات والمصالح المالية العائدة لجماعة الإخوان المسلمين السودانية الموجودة داخل الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سيطرة أشخاص أمريكيين؛ ومن ثمّ، لا يمكن الاستفادة من هذه الأموال أو التصرف بها بشتّى الصور، وهو ما يعوقها عن تمويل أنشطتها.
  • يُحظر على المواطنين الأمريكيين إجراء أي معاملات أو أعمال تجارية مع الجهات الخاضعة للعقوبات: ما يعني تفكيك مُختلف الجهات الداعمة لمثل هذه التنظيمات، ولا يقتصر الحظر على الأمريكيين فقط، بل يمتد إلى غير الأمريكيين ممّن لديهم تعاملات في الداخل الأمريكي.

ثانيًا: سوابق الحظر والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على جماعة الإخوان المسلمين

لا يمثل القرار الأمريكي الأخير ضد إخوان السودان سابقة، بل هو طرف في سلسلة طويلة اشتبكت فيها الولايات المتحدة الأمريكية مع تنظيم الإخوان المسلمين، سواء بصورة عامة، أو الإخوان السودانيين المتورطين في الصراع السوداني بشكل خاصّ، على النحو الآتي:

أ. حركة حماس: خلال السنوات السابقة لهجمات حماس على إسرائيل في أكتوبر 2013 أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قرارات عدة ضد الحركة وأعضائها، بهدف تفكيك شبكاتها المالية؛ ففي مايو 2022 أُدرج في قائمة العقوبات ثلاثة وسطاء ماليين تابعين لحماس وست شركات مولت الحركة، وقبل ذلك كان قد أُدرج فيها عام 2017 عدد من ممولي الحركة، ثم رئيس الوزراء إسماعيل هنية في 2018، وقيادات أخرى في عامَي 2015 و2019([2]).

وعقب هجمات أكتوبر 2023، أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة من القرارات ركزت على شبكة استثمارات حماس وأبرز فاعليها، على النحو الآتي:

  • في أكتوبر 2023: فُرضت عقوبات ضد عشرة من أبرز أعضاء حركة حماس، وعناصرها، ومموليها في غزة ومناطق أخرى تشمل السودان وتركيا والجزائر وقطر، مرتبطين باستثمارات سرية لحماس، ومنصة تداول عملات افتراضية بغزة ([3] بعدها استُهدف 8 مسؤولين في حماس والحرس الثوري وممولين أتراك، إضافة إلى عدد من المحافظ الاستثمارية لحماس ([4]).
  • في نوفمبر وديسمبر 2023: فُرضت عقوبات على 8 مسؤولين بارزين في حماس ومؤسسات استخدمت كواجهة تدعم إيران من خلالها حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بالتنسيق مع إجراءات المملكة المتحدة ([5]ثم على 6 من القيادات والمسؤولين المرتبطين بالشبكات المالية لحماس ([6]).
  • في يناير وإبريل 2024: فُرضت عقوبات تستهدف شبكات مالية إضافية مرتبطة بحركة حماس، بما في ذلك ميسّرون لتحويل العملات الافتراضية، بالتنسيق مع المملكة المتحدة وأستراليا([7])، كما استُهدف ثلاثة مسؤولين عن وحدة الطائرات المسيّرة التابعة لحماس والجهات الفاعلة الإلكترونية([8]).
  • في مارس ونوفمبر 2024: فُرضت عقوبات على شبكة تمويل إرهابية موالية لحماس متورطة في جمع التبرعات لحركة حماس ([9])، ثم على 6 من كبار مسؤولي حماس؛ في إطار التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إسرائيل، والإفراج عن الرهائن المحتجزين في قطاع غزة ([10]).
  • في21 يناير 2026: استُهدفت ست منظمات في غزة تدعم الجناح العسكري لحركة حماس، وكتائب عز الدين القسام، إضافة إلى منظمة بالخارج تابعة لحماس ([11]).

ب. في 13 يناير2026: صُنّفت فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب العالمية، شملت فروع الجماعة في مصر والأردن؛ على خلفية دعمها لحركة حماس المصنّفة منظمة إرهابية، إلى جانب تصنيف الجماعة الإسلامية – الفرع اللبناني للإخوان منظمةً إرهابية أجنبية؛ تنفيذًا للأمر الرئاسي الصادر في 25 نوفمبر 2025 عن الرئيس الأمريكي ([12]).

وقبل ذلك، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أدرجت تنظيمَي ولاية سيناء وحسم في مصر على القائمة الأمريكية للإرهاب عام 2021. [13]

2- فيما يتعلق بمواقف الولايات المتحدة الأمريكية من إخوان السودان المتورطين في الصراع السوداني

منذ تّفجر الاقتتال الداخلي في السودان أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قرارات عدة ضد طرفي الصراع على النحو الآتي:

  • يونيو 2023: عقوبات على شركات تابعة للجيش تُؤجّج الصراع ([8]).
  • الخارجية في حكومة عمر البشير، وزعيم الحركة الإسلامية السودانية لعرقلة الأمن والاستقرار في السودان ([9]).
  • 4 ديسمبر 2023: تصنيف 3 قيادات أمنية في عهد عمر البشير؛ لتقويضها السلام والأمن في السودان، وهم طه عثمان، وصلاح غش ([10]).
  • 12سبتمبر 2025: عقوبات على اثنين من العناصر الإسلامية السودانية، وهما جبريل إبراهيم محمد فديع (جبريل) وكتائب البراء بن مالك؛ بسبب تورطهما في الحرب الأهلية الوحشية في السودان، وعلاقتهما بإيران([11])

ثالثًا: التبعات المحتملة لقرار الحظر على التوازنات الداخلية في السودان

برغم تعدد القرارات التي صدرت ضد تنظيم الإخوان المسلمين خلال السنوات الأخيرة عامة وضد بعض الفاعلين في إخوان السودان، فإن القرار الأمريكي الأخير يمثّل تهديدًا حقيقيًّا لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان، خصوصًا في ظل ما بدا من تعنّت سياسي طوال السنوات الماضية، فضلًا عن تنامي فرص تحويله لبؤرة ارتكاز لكلٍّ من:

  • النظام الإيراني في المنطقة؛ في ظل تنامي العلاقات الثنائية والأزمات التي تشهدها إيران؛ في ظل الحرب القائمة ضدها، وتداعياتها.
  • باقي فروع التنظيم؛ في ظل المواقف الإقليمية والدولية من الجماعة.

وبالنظر إلى تبعات القرار الأمريكي حظر الإخوان في السودان، نجدها على صورتين:

  • ما يتعلق بالجيش:
  • من الممكن أن يتحرر الجيش السوداني من الأيدلوجية الإخوانية التي تغلغلت في صفوفه؛ فعلى مدى عقود تغلغل الإخوان المسلمون في الجيش السوداني منذ تولّي عمر البشير السلطة في عام 1989، وبرغم سقوط نظامه في 2019 فإن الجماعة ظلت نافذة داخل الجيش، وتزايدَ حضورها بعد انقلاب البرهان على السلطة المدنية في أكتوبر 2023([12]).

ب. ما يتعلق بمنظومة الحكم: إن إضعاف جبهة عبدالفتاح البرهان ستعمل على تقوية قوات الدعم السريع تلقائيًّا، ليجد طرف البرهان أمام أزمة حقيقية ممثلة في كيفية استمراه في المشهد وإدارة الجيش، برغم ما يسبّبه استمرار الإخوان في المشهد من أزمات، إضافة إلى غياب الرؤية السياسية لدى الطرفين لتجاوز الأزمة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن القرار الأمريكي لا يقتصر تأثيره على الجانب القانوني المرتبط بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية فقط، بل يمتد ليؤثر في البيئة السياسية والأمنية التي سمحت للجماعة بالحفاظ على حضورها داخل مؤسسات الدولة السودانية خلال العقود الماضية. فإضعاف البنية التنظيمية للجماعة وتقييد قدرتها على الحركة والتمويل قد يسهمان في تقليص المساحات التي اعتمدت عليها تاريخيًا لإعادة إنتاج نفوذها السياسي والأيديولوجي؛ خصوصًا داخل مؤسسات الدولة، التي ظلت ساحة رئيسية لنشاطها منذ فترة حكم عمر البشير.

كما أن هذا القرار قد يدفع مختلف الأطراف الفاعلة في السودان إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الجماعة في ضوء الكلفة السياسية والقانونية المتزايدة للارتباط بها. وفي هذا السياق، قد يمثّل القرار الأمريكي عامل ضغط إضافيًّا يدفع نحو إعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية داخل الدولة السودانية، بما قد يفتح المجال، على المدى المتوسط، أمام إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس أكثر مهنية ومؤسسية، بعيدًا عن النفوذ الأيديولوجي الذي أسهم خلال العقود الماضية في تعميق الانقسام السياسي، وإضعاف بنية الدولة.

رابعًا: التداعيات على مستقبل جماعة الإخوان المسلمين.

يمثل القرار الأمريكي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية تطورًا نوعيًّا في مسار التعامل الدولي مع شبكات الإسلاموية المرتبطة بالجماعة، بما يحمله من دلالات تتجاوز الحالة السودانية إلى البنية التنظيمية للإخوان المسلمين في الإقليم. فالتصنيف لا يقتصر على كونه إجراءً قانونيًا موجّهًا ضد فرع محدد، بل يعكس اتجاهًا متصاعدًا نحو إعادة تقييم أنشطة الجماعة وشبكاتها العابرة للحدود في ضوء ارتباطاتها السياسية والأمنية المتزايدة في مناطق الصراع.

ومن هذا المنظور، يمكن رصد عدد من التداعيات المحتملة لهذا القرار على مستقبل الجماعة:

أولًا: توسيع نطاق المقاربة الأمريكية تجاه فروع الجماعة.

يشير القرار إلى أن السياسة الأمريكية لم تعد تقتصر على التعامل مع فروع محددة من الجماعة بصورة منفصلة، بل تتجه نحو مقاربة أكثر شمولًا تستند إلى تقييم سلوك الفروع المختلفة للجماعة في السياقات المحلية والإقليمية. فقد سبقت هذا القرار خطوات أمريكية استهدفت فروعًا أو كيانات مرتبطة بالإخوان في مصر والأردن ولبنان، إضافةً إلى الشبكات المرتبطة بحركة حماس. ويعني ذلك أن قائمة التصنيفات قد تظل مفتوحة للتوسع كلما ثبت ارتباط أي من فروع الجماعة بأنشطة تهدّد الاستقرار أو ترتبط ببيئات الصراع المسلح.

ثانيًا: تقليص المساحات التي كانت تتيح للجماعة إعادة بناء شبكاتها التنظيمية.

خلال السنوات الأخيرة، شكّلت البيئة السودانية، وفي ظل الحرب الأهلية وتراجع مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، مساحةً محتملة لإعادة تنظيم صفوف الجماعة بعد الضغوط الإقليمية والدولية التي تعرضت لها. فمثل هذه البيئات الهشّة غالبًا ما تتيح للتنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود فرصًا لإعادة بناء شبكاتها الاجتماعية والتنظيمية. غير أن قرار الحظر الأمريكي يسهم في تقويض هذه الإمكانية، إذ ينزع عن الجماعة أي غطاء سياسي أو شرعي يمكن أن تستند إليه لإعادة إنتاج حضورها داخل المشهد السوداني.

ثالثًا: إضعاف شبكات الدعم الإقليمي المرتبطة بالجماعة

يتزامن هذا القرار مع تصاعد التوتر الإقليمي وتكثيف الضغوط الأمريكية على إيران، في ظل تقارير متعدّدة تشير إلى تنامي قنوات التواصل بين بعض شبكات الإسلاموية المسلحة والحرس الثوري الإيراني، سواء على مستوى التدريب أو الدعم اللوجستي أو التمويل. وفي هذا السياق، فإن إضعاف حضور الإخوان المسلمين في السودان أو تقليص قدرتهم على الحركة قد يسهم في الحد من أحد المسارات التي كانت تُستخدم لتعزيز هذه الشبكات. وبالتالي، فإن القرار الأمريكي لا يقتصر تأثيره على الساحة السودانية فحسب، بل قد ينعكس أيضًا على توازنات أوسع تتعلق بشبكات الدعم والتمويل، التي استفادت منها بعض الفروع المرتبطة بالجماعة خلال السنوات الماضية.

وبذلك، يمكن القول إن تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين منظمةً إرهابية يمثل خطوة مؤثرة في مسار تقليص قدرة الجماعة على إعادة بناء حضورها التنظيمي في بيئات الصراع، كما يعكس تحولًا تدريجيًّا في المقاربة الدولية تجاه الجماعة، من التعامل معها بوصفها فاعلًا سياسيًّا محليًّا إلى النظر إليها ضمن شبكة أوسع من الفاعلين الأيديولوجيين المرتبطين بتفاعلات أمنية وإقليمية معقدة.

خاتمة

في المحصلة، يكشف القرار الأمريكي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية عن تحوّل مهم في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة التهديدات، التي قد تنشأ عن توظيف الدين في إطار تنظيمات أيديولوجية مغلقة ذات طابع عابر للحدود. فقد أظهرت التجربة السودانية بوضوح أن الإسلاموية الإخوانية لم تقتصر على كونها فاعلًا سياسيًّا يسعى إلى المشاركة في الحكم، بل تحولت في مراحل متعددة إلى بنية تنظيمية عملت على اختراق مؤسسات الدولة وإعادة توظيفها لخدمة مشروعها الأيديولوجي؛ الأمر الذي أسهم في إضعاف الدولة الوطنية وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية.

ومن هذا المنظور، لا يقتصر القرار الأمريكي على كونه إجراءً قانونيًّا موجّهًا ضد تنظيم بعينه، بل يعكس اتجاهًا أوسع نحو إعادة ضبط البيئة الأمنية والسياسية التي سمحت لعدد من التنظيمات الإسلاموية بالتمدد داخل مناطق الصراع. فسياسات تجفيف مصادر التمويل، وتقييد شبكات الدعم العابر للحدود، ورفع الكلفة السياسية والقانونية للتعامل مع هذه التنظيمات، تمثل أدوات أساسية للحد من قدرتها على إعادة إنتاج حضورها داخل الدول الهشة أو المنهكة بالصراعات.

كما يحمل القرار رسالة سياسية أوسع مفادها أن توظيف الدين في بناء تنظيمات عقائدية ذات نزعة عسكرية لم يعُد يُنظر إليه بوصفه ظاهرة سياسية يمكن احتواؤها أو التعايش معها، بل باعتباره أحد عوامل عدم الاستقرار الإقليمي. وفي الحالة السودانية تحديدًا، قد يسهم هذا التصنيف في إعادة فتح النقاش حول مستقبل الدولة ومؤسساتها بعيدًا عن الهيمنة الأيديولوجية التي مارستها الحركة الإسلامية لعقود، التي ارتبطت بتسييس المؤسسات العسكرية والأمنية وإضعاف البنية المؤسسية للدولة.

وعلى الرغم من أن القرار الأمريكي وحده لا يكفي لإنهاء الأزمة السودانية أو تفكيك البنية التنظيمية للإخوان المسلمين، فإنه يمثل خطوة مهمة في اتجاه تقليص نفوذ الجماعة والحد من قدرتها على استثمار حالة الانهيار المؤسسي في السودان لإعادة بناء شبكاتها التنظيمية. ومن ثم، فإن فعالية هذا القرار ستظل مرتبطة بمدى تفاعل الأطراف الإقليمية والدولية معه، وبقدرة القوى السودانية المختلفة على بلورة مشروع وطني جامع يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومؤسسية، بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية، التي أسهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات التسوية.


[1] – بعد سيطرة الجيش على القصر الجمهوري.. من هما طرفا الحرب في السودان؟، العربية. نت، 21 مارس 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2dono4yq

[2] – Treasury Targets Covert Hamas Investment Network and Finance Official, 24 May 2022, https://tinyurl.com/2xqhplo2

[3] – Following Terrorist Attack on Israel, Treasury Sanctions Hamas Operatives and Financial Facilitators, 18October 2023, https://tinyurl.com/2x772t94

[4] – Treasury Targets Additional Sources of Support and Financing to Hamas, 27 October 2023, https://tinyurl.com/yuhf2tw4

[5] -Treasury Targets Key Hamas Leaders and Financiers, 19November 2024, https://tinyurl.com/2492u37s

[6] – U.S. And UK Target Additional Hamas Finance Officials and Representatives, 13 December2023, https://tinyurl.com/ywptfy8j

[7] – U.S., UK, and Australia Target Additional Hamas Financial Networks and Facilitators of Virtual Currency Transfers, 22 January 2024, https://tinyurl.com/yq5w4xc2

[8] – Treasury Targets Hamas UAV Unit Officials and Cyber Actor, 12 April 2024, https://tinyurl.com/2297gsmv

[9] -Treasury Sanctions Hamas-Aligned Terrorist Fundraising Network, 27March2024, https://tinyurl.com/26cvp45x

[10] -Treasury Targets Key Hamas Leaders and Financiers,19 November 2024,

[11] – Treasury Exposes and Disrupts Hamas’s Covert Support Network, 21 January 2026, https://tinyurl.com/2a4q8bea

[12] – تصنيف الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة: كيف يُعيد القرار الأمريكي رسم مستقبل الإخوان المسلمين عالميًّا؟، تريندز للبحوث والاستشارات، 14 يناير 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/29oe894f

[13] الولايات المتحدة تدرج تنظيمي ولاية سيناء وحسم في مصر على القائمة الأمريكية للإرهاب، بي بي سي العربية، 15 يناير 2021، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-55675174

[1] – Office of the Spokesperson,Designation of the Sudanese Muslim Brotherhood, 9March 2026, https://tinyurl.com/225gadne

[2] -Iran supplying Sudanese general Burhan’s forces with drones, weapons, The Sudan Times, 13 June 2024, https://tinyurl.com/23a3zzal

[3] –  Robert Williams, Iran’s New Proxy: Sudan, Gatestone Institute , 4 March 2026, https://tinyurl.com/2aq2zcxf

[4]– Khaled Abu Toameh, Muslim Brotherhood Needs to Be the Next Target After Iran’s Mullahs, Gatestone Institute, 5 March 2026, https://tinyurl.com/26tvrmo8

[5]– بدرية الريامي، الحرب في السودان: انعكاسات مآلات الإسلاموية الإخوانية، تريندز للبحوث والاستشارات، 23 فبراير 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/29adk4k7

[6] – مستشار لترامب: قدّمنا خطة لإنهاء حرب السودان ولم يقبلها طرفًا الصراع، رويترز، 25 نوفمبر 2025، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/272xfzqv

[7]– Designation of the Sudanese Muslim Brotherhood, ibid

[8] – https://tinyurl.com/2lbkqn58

[9] – https://tinyurl.com/2xkhcvaw

[10] – https://tinyurl.com/26z28o6j

[11] -https://tinyurl.com/22j2dr4g

[12]السودان.. كيف يؤثر تنصيف الإخوان “إرهابيًّا” على الجيش؟، سكاي نيوز عربية، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/264p7d9j

المواضيع ذات الصلة