خلال الشهر الأول من المواجهة بين إيران والتحالف ” الأمريكي-الإسرائيلي” التزمت ميليشيا الحوثي الصمت، خلافًا لحلفاء طهران الآخرين مثل حزب الله والحشد الشعبي، اللذين انخرطا مبكرًا في تلك المواجهة؛ وهو ما فسّره البعض وقتها بأن هذا التأجيل كان ضمن حسابات إيرانية لتوظيف الورقة الحوثية لاحقًا في تعزيز الموقف التفاوضي، خصوصًا مع إمكانية تأثيرهم على الملاحة في مضيق باب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز.
ومع تصاعد الضغوط على إيران، انتقل الحوثيون من التهديد إلى الفعل، بإطلاق صاروخ نحو إسرائيل في 28 مارس، معلنين انخراطهم المباشر في الصراع، وذلك بعد أسابيع من الترقّب والتحذيرات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن، بأن “أصابعها على الزناد”، وقال الحوثيون إن “الهجوم على إسرائيل يأتي نظرًا لاستمرار التصعيد العسكري، واستهداف البنية التحتية في لبنان وإيران والعراق وفلسطين”، وأضافت الميليشيا الموالية لإيران أن عملياتها “سوف تستمر حتى تتحقق الأهداف المعلنة”.[1]
وأشارت المعطيات الأولية إلى عدم وجود رغبة حقيقية لدى جماعة الحوثي في الانخراط إلى جانب إيران؛ إذ اقتصر موقفها، حتى قبيل الهجوم، على خطاب تهديدي تقليدي، قبل أن تدفعها ضغوط إيرانية على الأرجح إلى تنفيذ ضربة محدودة. ويعكس ذلك توجّهًا لدى ميليشيا الحوثي لتجنّب استنزاف القدرات العسكرية المتآكلة بفعل الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت بنيتها العسكرية والاقتصادية، في الوقت الذي تلوّح فيه إيران بتوسيع التصعيد عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب؛[2] الأمر الذي يثير تساؤلات مهمّة بشأن دلالات توقيت انضمام هذه الميليشيا كجبهة إسناد لطهران، وأسباب تأخرها في دخول الحرب كنظيراتها من الجماعات المسلحة الموالية لإيران في المنطقة، والتهديدات الأمنية جراء الانخراط الحوثي في هذه الحرب والاصطفاف إلى جانب طهران، ولاسيّما أنه في ظل اتساع رقعة المواجهة الإقليمية فإن الحرب لم تَعُد محصورة بين دول، بل باتت تُدار عبر شبكات معقّدة من الفاعلين غير الحكوميين، الذين يتحرّكون على خطوط التماس الأكثر حساسية، من غزة إلى البحر الأحمر.
أولًا: لماذا تأخر دخول الحوثيين الحرب؟
في 27 مارس 2026، أصدرت جماعة الحوثي بيانًا عسكريًّا لوّحت فيه بالانخراط في الحرب، مع ربط ذلك بشروط عامة، مثل اتساع التحالف “الأمريكي-الإسرائيلي”، أو استخدام البحر الأحمر وخليج عدن في عمليات ضدّ إيران. ورغم الطابع المرن والفضفاض لهذه الشروط، فقد وفّرت إطارًا يسمح بالانتقال إلى المشاركة الفعلية عند توافر الظروف الملائمة. وربّما يعكس ذلك وجود تباين داخلي بين توجّه حذِر ذي اعتبارات محلية، وآخر أكثر ميلًا إلى التصعيد والاصطفاف مع إيران، حيث رجَحت الكفّة سريعًا للاتجاه الثاني مع إعلان الجماعة مسؤوليتها عن هجمات جنوب إسرائيل، في أول تدخل مباشر لها؛ ما يشير إلى تغلّب خيار التصعيد تحت تأثير الضغوط الإقليمية[3].
ويبدو أن توقيت انخراط الحوثيين بعد نحو شهر من اندلاع الحرب كان بناءً على رغبة إيرانية، وهو ما يفسر انتظارهم نحو شهر كامل منذ اندلاع الحرب قبل إصدارها موقفًا علنيًّا؛ ما قد يشير إلى أن الحوثيين، ومِن خلفهم إيران، لم يكونوا في بداية الحرب يرغبون في توسيع دائرة المتضرّرين من سياسات محور إيران، ولاسيّما بعض الدول الغربية التي كانت تُظهر تردُّدًا كبيرًا تجاه الاستجابة للمطالب الأمريكية بالدخول بشكل المباشر في الحرب؛ ما قد يدفعها إلى الانخراط في حرب.[4]
ومن جهة أخرى، فإن هناك من يرى أن جماعة الحوثي كانت تعتقد بأن تحركها المبكر في الاصطفاف إلى جانب إيران كان من الممكن أن يستجلب ردّ فعل أمريكي وإقليمي، وبالتالي توفير غطاء للقوات اليمنية الرسمية لتوسع نطاق عملياتها ضدّ الجماعة، وربّما السيطرة على كامل الساحل الغربي، وهذا السيناريو لا يصبّ في صالح الجماعة، ولا حتى إيران التي تريد الاحتفاظ بأوراقها في اليمن[5].
كما يرى مراقبون أن تأخُّر ميليشيا الحوثي في الانخراط في الحرب يُعزى إلى تراجع قدراتها العسكرية نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال العام الماضي. فعلى الرغم من التعهد المتكرر للجماعة بالدفاع عن إيران في حال اندلاع حرب إقليمية، فإنها لم تبادر إلى المشاركة في القتال عند شنّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجمات على طهران في فبراير الماضي، وهو ما جاء على خلاف توقعات العديد من المتابعين. وبدلًا من ذلك، حافظت الجماعة على موقف يتسم بالحياد النسبي لمدة تقارب شهرًا، قبل أن تعلن انخراطها في الصراع، ولكن من اللافت أن تلك الخطوة لم ترقَ إلى مستوى فتح جبهة جديدة، بل عكست، وفقًا لتقديرات مراقبين، نهجًا حذرًا في الانخراط في الصراع. ويرى بعض الخبراء أن هذا التردّد يعكس حالة من الضعف أصابت الجماعة عقِب قصف عنيف تعرّضت له في السابق؛ الأمر الذي دفعها إلى إعادة تقييم حساباتها بشأن توظيف قدراتها العسكرية المتراجعة.[6]
ولا يمكن فهم تأخُّر انخراط الحوثيين دون النظر إلى كلف المواجهة السابقة؛ إذ تكبَّدوا خلال مرحلة إسناد غزة خسائر كبيرة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، التي استهدفت بنى اقتصادية وخدمية وعسكرية، إضافةً إلى خسارة قيادات بارزة، واستنزاف جزء مهم من مخزونهم من الأسلحة النوعية. كما يرى بعض المراقبين أن هذا التأخر في الانخراط العسكري مرتبط بأولوية الصراع الداخلي في اليمن، الذي يظل، بالنسبة إليهم، ساحة الحسم الأساسية؛ ما يفرض عليهم إدارة مواردهم العسكرية بحذر، وتجنّب الانخراط في مواجهة واسعة قد تستنزف قدراتهم في توقيت يرون أنه غير مناسب[7].
ويُلاحظ في هذا السياق أن نشاط الحوثيين خلال الفترة الماضية ظل محدودًا، إذ اقتصر على تنفيذ ثلاث هجمات باتجاه إسرائيل، واحدة بصورة منفردة، واثنتان في إطار تنسيق مع إيران وحزب الله، دون أن تستدعي حتى الآن ردًّا إسرائيليًّا مباشرًا؛ نظرًا لمحدودية الأثر العملياتي لهذه الهجمات قياسًا بكلفة التصعيد، فضلًا عن الحرص على تجنّب دفع الجماعة نحو توسيع نطاق عملياتها، ولاسيّما باتجاه البحر الأحمر، بما قد يفتح جبهة بحرية حساسة ترتبط بأمن الملاحة في مضيق باب المندب، وذلك في ظل تزامن ذلك مع إغلاق مضيق هرمز، وما يترتب عليه من ضغوط متزايدة على النظام البحري العالمي.
ثانيًا: دلالات الانخراط الحوثي في الصراع
اعتبر مراقبون أن التحرك الحوثي جاء بدافع الحفاظ على المصداقية أمام جمهورهم، حيث كان عدم التحرك سيعزز الانطباع بتراجع قدراتهم، وهو ما حاولت الميليشيا أن تضفي عليه صبغة دينية وشرعية، لتبرير الاصطفاف إلى جانب إيران، وهو ما كشف عنه تصريح محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، الذي أكد أنّ تدخّل الجماعة جاء كـ“واجب ديني وأخلاقي” لدعم إخوانهم في فلسطين ولبنان وإيران والعراق، معتبرًا أن القرار “قرار داخلي للجماعة، وليس فرضًا من إيران”، وأن اليمن سبق أن خاض جولات دعم مشابهة في غزة.[8]
ومن ناحية أخرى، يبدو أن إيران لم تدفع الحوثيين إلى الانخراط في الحرب مبكرًا، لأنها وزعت ردّها أولًا بين الخليج ولبنان والعراق. ولكن، مع اتساع الحرب، ومع شعورها بأنها لاتزال تمسك بورقة مضيق هرمز، رأت أن الوقت حان لإقحام البحر الأحمر في قلب المواجهة؛[9] وهو ما يعني أن ميليشيا الحوثي تتحرّك ضمن رؤية إيرانية شاملة تهدف إلى توزيع الضغوط على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عبر جبهات متعدّدة، مع الحفاظ على مرونة كافية للمناورة حسب تطورات الميدان؛ ما يمنح إيران وحلفاءها القدرة على التصعيد والتراجع بما يخدم المصالح المشتركة. ومن الواضح أن نمط الانخراط الحوثي يبدو “متدرجًا”، ويخضع لحسابات الحاجة الإيرانية في إدارة المعركة، فإذا كانت الضرورة تقتضي استنزاف القدرات الدفاعية الإسرائيلية، فإن الجماعة ستركز عملياتها باتجاه إسرائيل.
لذا، يمكن القول إن توقيت انخراط جماعة الحوثي في التصعيد الإقليمي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحولات المتسارعة في مسار المواجهة، إذ لم يكن هذا الانخراط سوى استجابة مباشرة لرغبة إيران، التي كانت تواجه ضغوطًا متزايدة على أكثر من صعيد، خصوصًا مع وصول الحرب إلى ما يمكن توصيفه بـ“الدائرة الحمراء” داخل إيران، عقِب استهداف منشآت حساسة شملت مواقع نووية ومراكز بحثية وجامعات مرتبطة بالبرنامج النووي، وهو ما دفع طهران إلى السعي لفتح جبهات موازية؛ بهدف تخفيف حدة الضغط العسكري المباشر عليها.[10]
كما يُشار إلى أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد حزب الله، بوصفه أحد أبرز أذرع “فيلق القدس” في المنطقة، قد أسهم في تقليص هامش الحركة أمام إيران؛ الأمر الذي دفع الحرس الثوري إلى تفعيل ما تبقّى من أدواته الإقليمية، وفي مقدّمتها جماعة الحوثي؛ في محاولة لإعادة توزيع الضغوط عبر مسارح عمليات متعدّدة.
ومن ناحية أخرى، ارتبط هذا التحرك ببعد سياسي واضح، ولاسيّما في ضوء إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن قرب استئناف المحادثات مع إيران، بما يمنح انخراط الحوثيين في هذه المرحلة دلالة ضمنية في سياق معادلة التفاوض. وفي هذا الإطار، يُحتمل أن تسعى الجماعة إلى تثبيت حضورها كطرف فاعل في أي مسار تفاوضي، أو على الأقل توظيف دورها كأداة ضغط للتأثير في مآلات الترتيبات المحتملة؛ تجنّبًا لإدراجها ضمن تفاهمات قد تستهدف تقليص نفوذها في مرحلة ما بعد الاتفاق مع طهران.[11]
ومن جهة أخرى، تدرك ميليشيا الحوثي أن الانخراط الواسع قد يهدّد بقاءها، وهو ما يفسّر محدودية تدخّلها حتى الآن؛ لذا تتعامل مع قدراتها الصاروخية والمُسيّرة كرصيد استراتيجي يجب الحفاظ عليه تحسبًا لمواجهة برية محتملة قد تقوّض وجودها. في حين تبدو إيران أكثر استعدادًا لتوظيف ورقة الحوثيين حتى مع ارتفاع كلفة ذلك عليهم؛ ما قد ينعكس على تماسك القيادة الداخلية عبر بروز تباين بين تيار موالٍ لطهران وآخر تحكمه اعتبارات البقاء، خصوصًا أن المشهد الإقليمي يزداد تعقيدًا في ظل احتمالات التسوية التي قد تتضمن تقليص دور الوكلاء، بما قد يدفع إيران إلى إعادة ترتيب أولوياتها. ومع تحمّلها كلفة الحرب، يُرجَّح أن تتجه طهران لاحقًا إلى التركيز على إعادة الإعمار؛ الأمر الذي قد يحدّ من قدرتها على مواصلة دعم حلفائها.[12]
ثالثًا: التهديدات المحتملة لانخراط الحوثيين في الحرب
خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، التي اندلعت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، في 28 فبراير 2026، اتجهت طهران إلى إدارة المواجهة عبر مصفوفة مركّبة من الاستراتيجيات المتداخلة، من بينها استراتيجية “الضغط متعدّد الجبهات” بوصفها الأداة الأكثر ديناميكية في إدارة الصراع؛ إذ تتيح نقل المواجهة من إطارها المباشر إلى مسارح عمليات متعددة؛ الأمر الذي يسهم في تشتيت قدرات الخصم، وإرهاق منظوماته الدفاعية، وفرض إيقاع عملياتي متقلّب وغير مستقرّ.[13]
ولتفعيل هذه الاستراتيجية، اعتمدت إيران على شبكة من الجماعات المسلحة الإقليمية الموالية لها، التي عملت على بنائها وتطويرها على مدى سنوات، وفي مقدّمتها الحوثيون في اليمن، إلى جانب حزب الله في لبنان، وقوات الحشد الشعبي في العراق، وقد أُسندت إلى كلٍّ من هذه الأطراف أدوار قتالية محددة من حيث التوقيت والنطاق الجغرافي، نُفِّذت إما بشكل منفرد أو في إطار تنسيق عملياتي مع القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني، بما يعكس نمطًا من التكامل الوظيفي في إدارة العمليات عبر وكلاء إقليميين.[14]
وفي هذا السياق، يمكن القول إن انخراط الحوثيين في الحرب والاصطفاف إلى جانب إيران قد يشكّل مجموعة من التهديدات الإقليمية، التي يمكن تحديد أبرزها في النقاط التالية:
- إشعال جبهة صراع جديدة: مع اتساع نطاق المواجهة بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، برز إعلان جماعة الحوثيين الانخراط في الصراع بوصفه تحوّلًا نوعيًّا في مسار الحرب. فلم يَعُد الأمر مقتصرًا على مستوى التهديدات السياسية، بل انتقل إلى توسيع فعلي لنطاق العمليات على المستوى الإقليمي، بما ينطوي عليه ذلك من تداعيات عسكرية واقتصادية متزايدة. فإطلاق الحوثيين صواريخ باتجاه إسرائيل مؤشر على تدخّل عسكري مباشر لهم في مجريات الحرب، بما يعكس انتقالًا من موقع الدعم السياسي إلى الانخراط العملياتي. ووفقًا لما أشارت إليه منصة أكسيوس، فإن هذه الخطوة تندرج ضمن إطار استراتيجية أوسع يقودها المحور المرتبط بإيران، تستهدف تشتيت قدرات الخصوم عبر فتح جبهات متعددة ومتزامنة. إضافة إلى ذلك، فإن إعلان الحوثيين عن استعدادهم لتصعيد عملياتهم في حال اتساع نطاق الهجمات ضد إيران يشير إلى أن هذا الانخراط لا يقتصر على بعد رمزي أو محدود، بل ينطوي على قابلية للتطور نحو مشاركة أكثر اتساعًا، ولاسيّما في ضوء امتلاك الجماعة قدرات صاروخية ومنظومات طائرات مُسيّرة، بما يعزز من إمكاناتها في التأثير على مسار الصراع.[15]
-
اتساع نطاق المواجهة الإقليمية: على الرغم من محدودية القدرات التسليحية لهذه الجماعات مقارنة بالإمكانات العسكرية لكلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فإنها تمكنت، بدرجات متفاوتة، من إحداث حالة من الإرباك في منظومات الدفاع، ونقل نطاق المواجهة إلى مسارح عمليات محلية وإقليمية لم تكن تقليديًّا ضمن دوائر الاشتباك المباشر، كما يُلاحَظ أن أداء هذه الجماعات قد تجاوز، في مرحلته الراهنة، حدود الدور الذي اضطلعت به خلال فترة ما أُطلِق عليه إسناد غزة (2023–2025)، مع اتجاه متصاعد نحو توسيع نطاق العمليات ليشمل ساحات أكثر حساسية، وفي مقدّمتها البحر الأحمر وخليج عدن، بما يعكس تحوّلًا نوعيًّا في طبيعة الانخراط، ومستوى المخاطرة.
ويعكس هذا النمط من التفاعل ملامح دور مركب لهذه الجماعات الإرهابية، فهو لا يقتصر على ممارسة الضغط العسكري المباشر، بل يمتد ليشمل أبعادًا نفسية وعملياتية، من خلال استنزاف القدرات الدفاعية للخصوم، وتشتيت مواردهم، بما يحدّ من قدرتهم على تركيز القوة في جبهة واحدة، ويُسهم في إعادة تشكيل توازنات الصراع على نحو أكثر تعقيدًا.[16]
-
التهديد المباشر للملاحة العالمية: يرى عدد من الخبراء والمتابعين أن أهمية الدور الحوثي لا تكمن في حجمه الحالي، بل في وظيفته المحتملة ضمن بنية ضغط مترابطة تسعى إيران من خلالها إلى خلق حالة من “ترابط المضائق”، عبر الجمع بين هرمز وباب المندب في معادلة ضغط واحدة، حيث يشكّل دخول الحوثيين تهديدًا مباشرًا لمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فسيطرة الجماعة على مناطق واسعة في اليمن، وعلى جزء كبير من سواحل البحر الأحمر، تمنحها قدرة فعلية على التأثير في حركة التجارة الدولية.[17]
ويعكس هذا النمط من التصعيد انتقال الصراع من مستواه العسكري المباشر إلى التأثير في الاقتصاد العالمي، عبر تهديد ممرات الطاقة والتجارة وتوزيع الضغوط جغرافيًّا، بما يرفع كلفة المواجهة على الخصوم، ويحدّ من قدرتهم على احتوائها. ومع ذلك، تظل قدرة جماعة الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب نسبية، إذ يمكن التمييز بين تعطيل تكتيكي مؤقت، عبر استهداف السفن أو عرقلة الملاحة، وإغلاق مستدام طويل الأمد، وهو سيناريو أقل ترجيحًا بفعل القيود العسكرية والجغرافية وطبيعة الحضور الدولي. وعليه، يتمثل الدور الأكثر دقّة للجماعة في الجمع بين القدرة على التعطيل المحدود ورفع مستوى المخاطر بشكل مستمر، بما يؤثر في حسابات الملاحة والتأمين دون الحاجة إلى إغلاق كامل للممرّ. ففي بيئة بحرية حساسة، يكفي التهديد المتكرر أو العمليات المحدودة لإعادة تسعير تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة لـ”تسليع المخاطر”، حيث تُقاس الفاعلية بمدى زيادة الكلفة، وإجبار الشركات على تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر تكلفة.[18]
-
تحريض التنظيمات الجهادية على الإرهاب: في ضوء موقع الحوثيين ضمن منظومة الضغط المتعددة الجبهات التابعة لإيران، وطبيعة تموضعهم الجغرافي على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وفي ظل علاقتهم بتنظيم القاعدة، فإن من غير المستبعد أن تحرّض ميليشيا الحوثي تنظيمَ القاعدة الإرهابي على شنّ هجمات انتحارية ضد السفن التي تمثّل عدوًّا لكلا الطرفين، على غرار السفن الأمريكية والأوروبية، خصوصًا أن للتنظيم سوابقَ مماثلة، عندما استهدف، في 12 أكتوبر 2000، المدمرة كول في ميناء عدن بزورق انتحاري محمّلًا بأكثر من 200 كيلو غرام من المتفجرات القوية؛ ما أحدث انفجارًا هائلًا وفجوة كبيرة في هيكل المدمرة، وهو ما أسفر عن مقتل 17 بحارًا أمريكّيًّا، وإصابة تسعة وثلاثين آخرين في الهجوم الذي تبنّاه تنظيم القاعدة.[19]
وممّا يزيد من هذا الاحتمال وجود عدد من التقارير تشير إلى وجود نوع من التخادم المتصاعد بين تنظيم القاعدة وميليشيات الحوثي، تجاوز حدود تقاطع المصالح إلى شراكة عملياتية تشمل التمويل والتخطيط، وعقد اجتماعات خارجية مع أطراف خارجية، ضمن شبكة تمتد عبر خليج عدن، وتنسيق لا يقتصر على الدعم المالي، بل امتد لتعزيز القدرات الهجومية مستفيدًا من بيئة أمنية رخوة ومسارات تمويل أكثر مرونة؛ ما قد يدفع اليمن نحو التحوّل إلى نقطة ارتكاز لتهديد عابر للحدود.
وبحسب التقرير رقم 37 لفريق الدعم التحليلي بشأن «القاعدة» و«داعش»، الذي قُدِّم لمجلس الأمن مطلع العام الحالي 2026،[20] فإن هناك تعزيزًا للعلاقة العملياتية السرّية بين تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وميليشيا الحوثيين على أساس مصالح تكتيكية مشتركة، حيث أُشير إلى تواصل جرى في يونيو 2025 تخلّلته مدفوعات مالية مقابل تنفيذ هجمات. كما رصد التقرير وجود عناصر حوثية في محافظة أبين خلال أغسطس 2025، ومشاركتها في تخطيط عملياتي مشترك مع التنظيم. وأشار التقرير كذلك إلى عقد اجتماعات في الصومال خلال أكتوبر الماضي، ضمّت الحوثيين وكلًّا من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب، بهدف تنسيق إطار تعاوني مشترك. ويُفهم من ذلك اندماج هذه التفاعلات ضمن شبكة لوجستية وعملياتية أوسع في خليج عدن.[21]
الخاتمة
تعكس مجريات الحرب بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، تحوّلًا نوعيًّا في الاستراتيجية الإيرانية، من الاعتماد على أنماط المواجهة المباشرة إلى تبنّي مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على توزيع الضغوط عبر مسارح متعدّدة، بما يسهم في إعادة تشكيل بيئة الصراع، وتوسيع نطاقه الجغرافي والوظيفي. وفي هذا الإطار، تبرز الجبهة اليمنية بوصفها أحد أهم مسارات هذا التحول، حيث تُوظَّف الجغرافيا ليس فقط كمسرح للعمليات، بل كأداة تأثير استراتيجي تُعيد تعريف قواعد الاشتباك. وتكتسب جماعة الحوثيين أهمية متزايدة من خلال إضفاء بُعدٍ بحري على الصراع، عبر إدخال ممرات حيوية، مثل مضيق باب المندب، ضمن نطاق التهديد، وهو ما ينقل المواجهة من طابعها العسكري المباشر إلى دوائر أوسع تمسّ التجارة العالمية وأمن الطاقة، بما يرفع كلفة الصراع، ويعقّد فرص احتوائه. كما يمتد هذا التأثير إلى الأمن البحري والاقتصاد الإقليمي، خصوصًا في ظل الترابط البنيوي بين مضيقَي هرمز وباب المندب، بما يؤدي إلى الضغط على سلاسل الإمداد، وإعادة توجيه مسارات التجارة الدولية.
ويمثّل الانخراط التدريجي للحوثيين في مسار الحرب تفعيلًا متقدّمًا لدورهم ضمن استراتيجية “الدفاع المتقدّم” الإيرانية، وانخراطًا فعليًّا في منظومة الضغط المتعددة الجبهات. وتنبع أهمية هذا الدور من موقعهم الجغرافي الذي يتيح توسيع نطاق التهديد إلى البحر الأحمر، بما يفتح المجال أمام تحوّله إلى ساحة تنافس استراتيجي مفتوح، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الإقليم إلى النظام التجاري العالمي. ومع ذلك، فإن قدرة الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب تظل محدودة بحكم معطيات السيطرة الميدانية، وإن كانت هجماتهم قادرة على التأثير في أمن الملاحة، ورفع كلفة التأمين والنقل.
وفي المقابل، قد يُفضي توسيع نطاق الصراع إلى انخراط الجماعة في مواجهات برّية واسعة مدعومة خارجيًّا، وهو نمط قتال أظهرت الخبرة الميدانية محدودية فاعليته بالنسبة لهم، حيث ارتبطت مكاسبهم السابقة بفراغات أمنية أكثر من كونها نتاج حسم عسكري مباشر، بينما تكبّدوا خسائر ملحوظة في جبهات لاحقة، خصوصًا في الساحل الغربي وجنوب اليمن.
وعليه، يمكن القول إن الحوثيين يواجهون معضلة وجودية مركّبة بين خيار التصعيد عالي الكلفة، الذي قد يُفضي إلى استنزاف قدراتهم وتقليص دورهم، وخيار القبول بتسوية سياسية قد تقوّض مرتكزاتهم الأيديولوجية. وفي الحالتين، يظل مستقبل الجماعة مرهونًا بقدرتها على إدارة توازن دقيق بين الضغوط الإيرانية والإقليمية، مع الحفاظ على ما تبقّى من أدوات الردع، في بيئة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين.
[1] الحوثيون يُطلقون “للمرة الثانية” صاروخًا تجاه إسرائيل، موقع سكاي نيوز عربية، بتاريخ 28 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/UhHXb3
[2] حسابات انخراط الحوثيين في الحرب مع إيران، موقع south24 ، بتاريخ 4 إبريل 2026، على الرابط: https://south24.net/news/newse.php?nid=5407
[3] الحوثيون على خط الحرب.. الدوافع والتداعيات، موقع وكالة الأناضول، بتاريخ 28 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/KQDObR
[4] لماذا تأخر انخراط جماعة الحوثي في الحرب الإيرانية-الأمريكية؟، مركز أبعاد للدراسات السياسية، بتاريخ 31 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/iyXkUk
[5] المرجع السابق
[6] نيويورك تايمز تكشف السبب الرئيسي لتأخر الحوثيين في دعم إيران، موقع سما عدن الإخبارية، بتاريخ 8 إبريل 2026، على الرابط: https://www.samaaden.news/archives/272043
[7] حدود تأثير “إسناد غزة” على قوة الحوثيين في الداخل اليمني، موقع القاهرة الإخبارية، بتاريخ 9 نوفمبر 2025، على الرابط: https://2u.pw/bh0jyq
[8] الحوثيون يعتبرون الانخراط بالحرب واجبًا دينيًّا، والحكومة تلوّح بالتدخل لمنعهم، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 28 مارس 2026، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDE
[9] لماذا دخل الحوثيون الحرب الآن؟ ثلاثة معانٍ في قراءة إسرائيلية، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 29 مارس 2026، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDK
[10] انخراط “متدرج”.. لماذا دخل الحوثيون الحرب الآن؟، موقع إرم نيوز، بتاريخ 28 مارس 2026، على الرابط: https://www.eremnews.com/news/arab-world/dops86b
[11] الحوثيون يضربون إسرائيل ويدخلون المعترك الإقليمي، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 6 إبريل 2026، على الرابط: https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/26769
[12] إيران تستعد لقبض ثمن التضحية بأذرعها، موقع صحيفة العرب، بتاريخ 28 سبتمبر 2024، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDO
[13] السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 6 إبريل 2026، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDR
[14] المرجع السابق
[15] المرجع السابق
[16] “تصعيد خطير ومقلق”.. ماذا يعني دخول الحوثيين في “حرب إيران”؟، موقع dw، بتاريخ 28 مارس 2026، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDT
[17] تصعيد حوثي محتمل في باب المندب مع استعداد واشنطن لمحاصرة هرمز، موقع صحيفة العرب، بتاريخ 13 إبريل 2026، على الرابط: https://url-shortener.me/KQDU
[18] مخاطر دخول الحوثيين في الحرب على صادرات النفط والشحن في مضيق باب المندب، موقع cnnعربي، بتاريخ 26 مارس 2026، على https://2u.pw/PVxQbs
[19] المدمرة الأمريكية كول التي كادت القاعدة أن تغرقها تعود إلى الخليج، موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 2 فبراير 2026، على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-60232518
[20] تمويل مقابل هجمات.. تقرير أممي يعرّي «تحالف الدم» بين الحوثي والقاعدة، موقع العين الإخبارية، بتاريخ 17 فبراير 2026، على الرابط: https://2u.pw/sqNgBA
[21] المرجع السابق