يشهد النقاش السياسي في ألمانيا تحولا لافتًا للنظر في مقاربته لملف الإسلام السياسي، مع انتقاله من نطاق التقديرات الأمنية المغلقة إلى فضاء المساءلة العلنية داخل البوندستاغ. هذا التحول لا يعكس فقط تصاعد الاهتمام بالملف، بل يكشف أيضًا عن تداخل متزايد بين الأبعاد الأمنية والسياسية والمجتمعية، في سياق تنافس حزبي يسعى إلى كسب ثقة الناخبين في قضايا حساسة مثل الأمن والهوية والاندماج. ويأتي هذا الحراك في إطار أوروبي أوسع، حيث تعيد دول عدة تقييم علاقتها بالمؤسسات الدينية وشبكاتها المدنية، وسط تزايد الجدل حول حدود العمل الدعوي، والتأثير غير المباشر داخل المجال العام. وبينما تسعى المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها هيئة حماية الدستور الألمانية، إلى تطوير أدواتها في فهم التهديدات “الناعمة”، يبرز في المقابل نقاش موازٍ حول مخاطر هذا التوجه والتوسع في تعريف ما يثيره بعض المؤسسات المحدودة والتعامل معها كتهديدات، وما قد يترتب عليه من تداعيات على الحريات المدنية والعمل المجتمعي المشروع، والمحمي بالدستور بشكل صريح.
الإطار العام للتحرك البرلماني
يتصاعد في البرلمان الألماني نقاشٌ حول نشاط جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي داخل البلاد، في تطور يعكس انتقال الملف من دوائر الأمن والاستخبارات إلى ساحة الجدل السياسي المباشر. التحرك الأخير جاء عبر استجواب[1] قدمته الكتلة البرلمانية لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، ركّز على ما تعدّه “اختراقًا ناعمًا” للمجال السياسي الألماني من قبل تنظيمات يطلق عليها “إسلاموية”[2]، وفي مقدمتها الإخوان المسلمين.
الاستجواب ينطلق من فرضية جدلية مفادها أن التهديد لم يعد مرتبطًا بالتطرف العنيف فقط، بل يشمل أشكال التأثير غير المباشر داخل الأحزاب والمؤسسات أيضًا، بما في ذلك بناء شبكات نفوذ اجتماعية وثقافية. ويستخدم النص مصطلحات لافتة للنظر ومثيرة للجدل مثل “الإسلاموية اليسارية”[3] للإشارة إلى تقاطع محتمل بين بعض تيارات اليسار الراديكالي وبعض الفاعلين الإسلاميين، في إطار تشخيص أوسع لصراع أيديولوجي داخل المجتمع الألماني.
هذا التحرك يعكس تحولًا في تعريف “الخطر السياسي” داخل البرلمان؛ إذ لم يعد النقاش محصورًا في قضايا الأمن التقليدية، بل امتد إلى بنية النظام الحزبي نفسه. كما يشير إلى تصاعد حساسية ملف الإسلام السياسي في ألمانيا، بالتوازي مع تحولات أوروبية أوسع في التعامل مع قضايا الاندماج والهوية والتعددية.
برغم ذلك، يثير هذا المسار جملة من الإشكاليات، إذ قد يسهم في تسييس ملف أمني معقد وتحويله إلى أداة للاستقطاب الحزبي؛ خاصة في ظل تبنّي أطراف مثيرة للجدل لهذا الطرح. كما أن توسيع تعريف التهديد ليشمل أنماطًا غير مباشرة أو فضفاضة من “التأثير” قد يؤدي إلى خلق مناخ من الشك تجاه مكونات مجتمعية واسعة، بما ينعكس سلبًا على جهود الاندماج ويغذي خطاب الوصم بأوصاف غير موضوعية. كذلك، فإن استخدام مفاهيم غير منضبطة مثل “الإسلاموية اليسارية” يضعف الدقة التحليلية ويخلط بين الفاعلين، ما قد يفضي إلى قراءات مبسطة أو مسيسة لظواهر معقدة، ويؤثر على توازن النقاش الديمقراطي داخل البرلمان.
أسئلة الاختراق السياسي والأمني
يمتد محور “أسئلة الاختراق السياسي والأمني” إلى أبعاد أكثر تعقيدًا تتجاوز مجرد الاستفسار عن وجود اختراق من عدمه، ليشمل طبيعة هذا الاختراق، وآلياته، ومدى تأثيره الفعلي على عملية صنع القرار داخل الأحزاب الألمانية، وخصوصًا داخل البوندستاغ. فالاستجواب لا يسعى فقط للحصول على معلومات، بل يختبر أيضًا قدرة الدولة على توصيف التهديدات غير التقليدية التي تتداخل فيها الاعتبارات الأيديولوجية مع النشاط السياسي المشروع.
في هذا السياق، تبرز أسئلة أكثر تفصيلًا حول ارتباط محاولات التأثير—إن وُجدت—بأفراد منتمين رسميًّا إلى أحزاب، أم عبر شبكات ضغط غير مباشرة، مثل الجمعيات المدنية أو المنظمات ذات الطابع الديني والثقافي. كما يُطرح تساؤل حول أدوات هذا التأثير: هل تقتصر على العمل الدعوي والاجتماعي، أو تمتد إلى تمويل الحملات، أو التأثير في ترشيحات داخلية، أو تشكيل كتل ضغط داخل الأحزاب؟
الاستجواب يلامس أيضًا نقطة حساسة تتعلق بتقييم الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها هيئة حماية الدستور الألمانية، لما يُعرف بـ “الإسلام السياسي”. فهل تصنّف هذه الأنشطة تهديدًا مباشرًا للنظام الديمقراطي، أم ظاهرة سياسية تحتاج إلى إدارة واحتواء؟ هذا التمييز ليس تقنيًّا فقط، بل يحمل تداعيات سياسية وقانونية كبيرة، لأنه يحدد طبيعة توجه الدولة، هل هو نحو تشديد الرقابة، أو الاكتفاء بالمراقبة المحدودة.
كما يفتح الاستجواب الباب أمام تقييم الفجوة المحتملة بين المستويين الأمني والسياسي: فقد تمتلك الأجهزة معلومات أو تقديرات لا تُترجم بالضرورة إلى سياسات علنية، إما لاعتبارات قانونية تتعلق بحرية التنظيم، أو لحسابات سياسية تتجنب إثارة توترات مجتمعية؛ خاصة في ظل حساسية ملف الاندماج وحقوق الأقليات المسلمة.
الأهم من ذلك، أن هذه الأسئلة تعيد طرح إشكالية “الاختراق” نفسها: هل نحن أمام اختراق منظم وهرمي، أو أننا أمام تفاعل طبيعي داخل مجتمع تعددي يسمح بوجود فاعلين ذوي خلفيات دينية وسياسية متنوعة؟ هذا الفرق جوهري، لأن تضخيم التهديد قد يؤدي إلى سياسات إقصائية، بينما التقليل منه قد يفتح المجال أمام تأثيرات غير مرئية على المدى الطويل.
ولا تقتصر أهمية هذا المحور على كشف حقيقة وقوع اختراق، بل تكمن في كونه اختبارًا لنموذج الدولة الألمانية في التوفيق بين حماية النظام الديمقراطي والانفتاح السياسي. كما أنه قد يمهد لتحولات تشريعية أو تنظيمية تمسّ قواعد العمل الحزبي، وتمويل الجمعيات، وآليات الرقابة على الفاعلين السياسيين، بما يعيد رسم حدود العلاقة بين الأمن والسياسة في ألمانيا.
الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD ) ونقاش الاختراق
يُعدّ ما يخص الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني من أكثر محاور الاستجواب حساسية، ليس بسبب مكانة الحزب في المشهد السياسي الألماني فقط، بل لأنه يضعه في قلب جدل مزدوج: أمني من جهة، وانتخابي من جهة أخرى. فالحديث عن “قابلية التأثر” بأنشطة مرتبطة بالإسلام السياسي لا يُقرأ فقط بصفته تشخيصًا داخليًّا، بل رسالة سياسية موجهة إلى الناخبين حول قدرة الحزب على إدارة ملفات الهوية والاندماج.
الحالة التي يُستشهد بها في حي نويكولن في برلين، والمتعلقة بـمارتن هيكل، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في برلين، تحولت من واقعة محلية إلى نموذج يُستخدم في النقاش الوطني. فقد نحّى هيكل عن ترشيحه لمنصب عمدة منطقة نويكولن، قبل أشهر، بعد أن وُجّهت له اتهامات مباشرة من دوائر الجناح المتشدد في الحزب، إثر موقفه من الإسلام السياسي. استقالة هيكل من سباق رئاسة البلدية لم تكن مجرد خلاف تنظيمي، بل عكست تصدعًا داخل الحزب حول كيفية تعريف “الإسلام السياسي” وحدود التعامل معه. الأهم أن تصريحاته اللاحقة حول وجود “تأثير للإسلاموية داخل خطاب الحزب” اكتسبت وزنًا خاصًا لأنها صادرة من داخل البنية الحزبية، ما منحها مصداقية لدى بعض الأطراف، وأثار في الوقت نفسه قلقًا لدى أطراف أخرى.[4]
هذا التطور كشف عن انقسام داخلي واضح: تيار يدعو إلى تبني مقاربة أكثر صرامة في مواجهة ما يعتبره نفوذًا أيديولوجيًّا متناميًا، ويرى أن تجاهل هذه المسألة قد يُضعف ثقة الناخبين، خصوصًا في ظل تصاعد القضايا المرتبطة بالأمن والهوية. في المقابل، يتمسك تيار آخر بخطاب أكثر حذرًا، يخشى أن يؤدي تضخيم هذا الملف إلى انزلاق نحو وصم جماعي أو استقطاب مجتمعي، بما قد يضر بقاعدة الحزب الانتخابية، خاصة في الأوساط الحضرية والمتنوعة.
في هذا الإطار، يصبح النقاش داخل الحزب الاشتراكي جزءًا من تنافس أوسع على الأصوات. فتبنّي خطاب أكثر تشددًا قد يساعد الحزب على استعادة ناخبين فقَدَهم لمصلحة قوى أخرى ترفع شعارات الأمن والهوية، لكنه في الوقت نفسه قد يكلّفه خسارة دعم شرائح ترى في هذا التوجه تهديدًا لقيم التعددية. أما الحفاظ على خطاب متوازن، فيحمي صورته كحزب منفتح، لكنه يعرّضه لاتهامات بالتساهل أو عدم الحسم.
الاستجواب البرلماني يوظف هذه الحالة لطرح سؤال أعمق: إلى أي مدى تستطيع الأحزاب التقليدية-ومنها -SPD تحقيق معادلة دقيقة بين الانفتاح السياسي، الذي يُعد جزءًا من هويتها، وبين بناء آليات داخلية تمنع أي شكل من أشكال التأثير المنظم، سواء كان تنظيميًّا أو فكريًّا؟ هذا السؤال لا يخصّ حزبًا بعينه، بل يمس بنية النظام الحزبي كله، ويعيد تعريف مفهوم “الاختراق” بين كونه تهديدًا أمنيًّا أو انعكاسًا طبيعيًا لتعددية المجتمع.
والحقيقة أن هذه الحالة تكشف أن الجدل حول الإسلام السياسي لم يعد موضوعًا خارجيًا موجّهًا نحو “الآخر”، بل أصبح نقاشًا داخليًّا يعيد تشكيل أولويات الأحزاب الكبرى وخطابها. كما يعكس انتقال هذا الملف إلى داخل الهياكل الحزبية مرحلة جديدة من التنافس السياسي في ألمانيا، حيث تتداخل اعتبارات الأمن، والهوية، وكسب الأصوات، في معادلة واحدة معقدة.
الشبكات المدنية والثقافية كقنوات تأثير
يتسع نطاق الاستجواب البرلماني ليشمل ما يُوصف بـ”الشبكات المدنية والثقافية” بوصفها قنوات تأثير غير مباشرة داخل المجتمع الألماني، غير أن هذا التوسّع يطرح إشكالية مزدوجة تتعلق بطبيعة هذه الكيانات وحدود توصيفها. فبينما تُدرج مؤسسات مثل مركز طيبة الثقافي، ومنصة لقاءات نويكولن، والجالية المسلمة الألمانية ضمن ما يُسمى “دوائر التأثير”، يشير جانب من النقاش إلى أن هذه المؤسسات هي في الأصل كيانات دعوية ومجتمعية تُعنى بشؤون المسلمين اليومية، مثل التعليم الديني، والأنشطة الثقافية، وخدمات الاندماج.
إبراز هذا البعد مهم جدًّا، لأن وضع هذه المؤسسات أو المنظمات في إطار “الاختراق” قد يحمل تبعات سلبية تتجاوز النقاش الأمني، ليصل إلى التأثير على صورة العمل المدني الإسلامي كله. فالتعميم يؤدي إلى خلق حالة من الشك تجاه أنشطة اجتماعية مشروعة، ويُضعف الثقة بين الدولة والمجتمع المسلم، خصوصًا إذا لم يكن هناك تمييز واضح بين النشاط الدعوي القانوني وأي نشاط سياسي منظم.
في المقابل، تستند بعض الجهات الرسمية إلى تقارير وتحليلات ترى أن بعض هذه الشبكات قد تشكل -في حالات محددة- بيئةً يمكن أن تُستغل لبناء نفوذ فكري أو اجتماعي طويل الأمد. غير أن هذه المقاربة تظل محل جدل، لأنها تقوم أصلاً على تصورات أو تقديرات أكثر من استنادها إلى أفعال سياسية مباشرة أو انتهاكات قانونية واضحة.
هنا يبرز الجانب المثير في طريقة طرح الملف: إذ إن توسيع مفهوم “التأثير” ليشمل الفضاءات الدعوية والثقافية يؤدي إلى خلط بين مستويين مختلفين تمامًا—مستوى العمل المجتمعي الطبيعي، ومستوى النشاط السياسي المنظم. هذا الخلط قد يدفع نحو سياسات أكثر تشددًا في الرقابة، أو فرض قيود بيروقراطية إضافية على الجمعيات الإسلامية، ما قد ينعكس سلبًا على قدرتها على أداء أدوارها الاجتماعية البارزة والمؤثرة، التي تنسجم مع توجهات الدولة وسياساتها، خصوصًا في مجالات الاندماج والخدمات.
كما أن هذا الطرح قد يُستثمر سياسيًّا في سياق التنافس الحزبي؛ إذ تُقدّم هذه الشبكات دليلًا على “اختراق ناعم”، من دون وضع تنوعها الداخلي واختلاف أهدافها في الحسبان. وهو ما قد يسهم في تغذية خطاب الاستقطاب، بدلًا من تعزيز مقاربة قائمة على التمييز الدقيق بين ما هو قانوني ومشروع، وما قد يمثّل فعلًا تهديدًا يستدعي المعالجة.
وتكمن حساسية هذا الأمر في ضرورة تحقيق توازن دقيق: فمن جهة، هناك حاجة مشروعة لمراقبة أي أنشطة قد تمس النظام أو الأمن والاستقرار، ومن جهة أخرى، يجب تجنب تحويل العمل الدعوي والاجتماعي-الذي يخدم شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين- إلى مجال اشتباهٍ عام. هذا التوازن هو ما سيحدد مستقبل العلاقة بين الدولة الألمانية ومؤسسات المجتمع المدني ذات الخلفية الإسلامية، وكذلك طبيعة السياسات التي ستُبنى على هذا الجدل.
البعد الأمني وتقييم الدولة
يمثّل البعد الأمني أحد المحاور الرئيسية في تعامل الدولة مع هذا الملف، حيث تضطلع هيئة حماية الدستور بدور أساسي في رصد أنماط التأثير غير المباشر داخل المجتمع. ووفق تقارير متعددة، تُصنَّف بعض الشبكات أو الكيانات المرتبطة بالإسلام السياسي ضمن فئة “التهديد المحتمل”، وهو توصيف لا يستند بالضرورة إلى مخالفات قانونية قائمة، بل إلى تقديرات استراتيجية تتعلق بالانعكاسات البعيدة المدى على النظام الديمقراطي.
ويعكس هذا النهج تحوّلًا في مفهوم التهديد الأمني، إذ لم يعد مقتصرًا على الأنشطة العنيفة أو التنظيمات السرية، بل بات يشمل أيضًا أشكالًا من التأثير التراكمي داخل الفضاءات الاجتماعية والثقافية. وبذلك، يصبح التركيز منصبًّا على ديناميات التأثير الطويل الأمد في الخطاب العام وأنماط التفاعل السياسي، وهو ما يضع التقييمات الأمنية في تقاطع مباشر مع النقاش السياسي داخل المؤسسات التشريعية، وما يرافقه من تجاذبات إعلامية.
غير أن هذا التوسع في أدوات التقدير الأمني يثير إشكالية تتعلق بحدود الاشتباه، إذ قد يشمل كيانات تعمل ضمن الأطر القانونية من دون وجود دلائل على نشاط مخالف. ويؤدي الاعتماد على قراءات احتمالية في بعض الحالات إلى طرح تساؤلات حول دقة المعايير المعتمدة في التصنيف، ومدى قابليتها للتطبيق المتوازن.
كما أن هذا المنحى قد ينعكس على البيئة المدنية، من خلال زيادة مستويات الرقابة أو فرض قيود تنظيمية غير مباشرة على بعض الجمعيات، بما في ذلك المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والديني. وهو ما قد يولّد شعورًا بعدم التمييز، ويؤثر على مستوى الثقة المتبادلة بين الدولة ومكونات المجتمع، في حال عدم وضوح الفاصل بين العمل المدني المشروع وأي نشاط سياسي مخالف.
وفي المقابل، يواجه صانع القرار تحديًا مزدوجًا يتمثل في الموازنة بين تفادي إغفال المخاطر المحتملة، وتجنب الإفراط في التوسع بتوصيفها، بما قد يؤدي إلى آثار سلبية على المجال المدني. ويعكس هذا التوازن حساسية المقاربة الأمنية الحديثة في التعامل مع التهديدات غير المباشرة، التي يصعب قياسها بصورة حاسمة.
وبذلك، يتضح أن المقاربة الأمنية في ألمانيا تشهد انتقالًا نحو معالجة أشكال أكثر تعقيدًا من التأثير الاجتماعي والسياسي، وهو تحول يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بضبط المعايير وضمان عدم المساس بمبادئ التعددية وصون الفضاء المدني المشروع.
الدلالات السياسية الأوروبية الأوسع
لا يمكن فصل ما يجري في ألمانيا عن سياق أوروبي أوسع، حيث تتصاعد في دول مثل فرنسا، وهولندا، والنمسا نقاشات حادة حول الإسلام السياسي وحدود حضور الدين في المجال العام. هذه النقاشات لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءًا من التنافس الحزبي، وتُستخدم أحيانًا كأداة لإعادة تشكيل الأولويات الانتخابية وخطاب الهوية.
يعكس هذا التحول دخول أوروبا مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنظيمات الدينية والسياسية، خاصة تلك التي تنشط عبر شبكات مدنية واجتماعية. فالتجارب السابقة المرتبطة بالهجرة والاندماج، وما رافقها من تحديات أمنية وثقافية، دفعت العديد من الحكومات إلى تبني مقاربات أكثر حذرًا، بل وأكثر تشددًا أحيانًا، في التعامل مع هذه الملفات. لكن هذا التوجه يحمل جانبًا سلبيًا واضحًا: إذ قد يؤدي إلى خلط بين التدين المشروع والعمل السياسي، ما يفتح الباب أمام سياسات عامة تميل إلى التعميم بدل التمييز الدقيق.
في هذا الإطار، تبرز ألمانيا كحالة متقدمة نسبيًّا، إذ يتقاطع البعد الأمني مع السياسي والمجتمعي بشكل مباشر، سواء عبر دور هيئة حماية الدستور الألمانية أو من خلال المناقشات داخل البوندستاغ. غير أن هذا “التقدم” في الطرح لا يخلو من إشكاليات؛ فإدخال مفاهيم مثل “التأثير غير المباشر” أو “الاختراق الناعم” في صلب النقاش السياسي قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاشتباه، حتى تجاه كيانات تعمل ضمن الأطر القانونية.
الجانب السلبي هنا يتجلى في احتمال انزلاق هذا النقاش نحو مسارات أكثر استقطابًا على مستوى القارة. فبعض الأحزاب قد توظف هذه القضايا لتعزيز خطاب أمني-هوياتي يستهدف كسب الأصوات، وهو ما قد يضعف منطق التعددية الليبرالية التي تقوم عليها الأنظمة الأوروبية. كما أن تضخيم التهديدات غير المثبتة بشكل مباشر قد ينعكس على الحريات المدنية، ويؤثر على عمل الجمعيات والمنظمات ذات الطابع الديني أو الثقافي، حتى عندما تكون أنشطتها قانونية ومجتمعية بالأساس.
إضافة إلى ذلك، فإن تعميم التجارب الوطنية -مثل الحالة الفرنسية أو النمساوية- في بقية الدول قد يتجاهل الفوارق البنيوية بين المجتمعات الأوروبية، سواء من حيث التاريخ أو التركيبة السكانية أو نماذج الاندماج. هذا التبسيط قد يقود إلى سياسات غير متوازنة، تركز على الضبط والرقابة أكثر من بناء الثقة والشراكة مع المجتمعات المحلية.
يعكس هذا الحراك أن أوروبا بصدد مراجعة أعمق لعلاقتها مع الإسلام السياسي، لكن هذه المراجعة تجري في بيئة سياسية مشحونة، ما يجعلها عرضة للمبالغة أو التسييس. التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد طبيعة التهديد فقط، بل في كيفية إدارة هذا النقاش من دون تقويض الأسس الديمقراطية نفسها-وفي مقدمتها التعددية، وسيادة القانون، وحماية العمل المدني المشروع.
في المحصلة، يكشف الجدل الدائر في ألمانيا عن مرحلة إعادة تشكيل عميقة للعلاقة بين الأمن والسياسة والمجتمع؛ إذ لم يعد ملف الإسلام السياسي يُدار كقضية أمنية منفصلة، بل أصبح جزءًا من صلب التنافس الحزبي والنقاش الديمقراطي. غير أن هذا التحول، برغم أهميته، يظل محفوفًا بتحديات حقيقية، أبرزها خطر الخلط بين العمل المدني المشروع والتأثير السياسي المنظم، وما قد ينتج عنه من توسيع دائرة الاشتباه أو تغذية الاستقطاب المجتمعي.
وعلى المستوى الأوروبي، يعكس هذا المسار اتجاهًا أوسع نحو إعادة تعريف حدود الانفتاح الليبرالي في مواجهة مخاوف أمنية متزايدة، وهو ما يضع صنّاع القرار أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن حماية النظام الديمقراطي من دون تقويض أسسه؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل السياسات المرتبطة بالإسلام السياسي، وطبيعة التوازن بين الأمن والحرية أيضًا في الديمقراطيات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
[1] Deutscher Bundestag, Drucksache 21/055/2105514 (Berlin: Deutscher Bundestag, 2026), https://dserver.bundestag.de/btd/21/055/2105514.pdf.
[2] مصطلح “إسلاموية” (بالألمانية) Islamismus) ) هو مصطلح ذو أصول أوروبية، تطور استخدامه من كونه وصفًا عامًّا للدين الإسلامي إلى مفهوم يشير إلى أيديولوجيا سياسية. على خلاف الاعتقاد الشائع بأنه مصطلح حديث، ظهرت مشتقات الكلمة في اللغات الأوروبية؛ خصوصًا الإنجليزية والألمانية، في وقت مبكر. ولم يكن المصطلح يحمل دلالة سياسية أو مرتبطة بالتطرف، بل كان يُستخدم مرادفًا للدين الإسلامي نفسه. تحول استخدام المصطلح لاحقًا من معنى ديني وصفي إلى مفهوم أيديولوجي سياسي لأسباب عدة. أبرزها الحاجة إلى التمييز بين الإسلام كدين (Islam) وبين الحركات التي توظف الدين في المجال السياسي وتسعى إلى إقامة نظام حكم يستند إلى الشريعة الإسلامية.
[3] “الإسلاموية اليسارية” “بالفرنسية Islamo-gauchisme هو مصطلح سياسي وأكاديمي مثير للجدل، يُستخدم بشكل أساسي في السياق الفرنسي لوصف تحالف أو تقارب فكري وسياسي بين أطراف من “اليسار” (خاصة اليسار الراديكالي) و”الإسلامويين، وانتقل أيضًا إلى دول أخرى بينها الولايات المتحدة وألمانيا.
[4] حسام حسن، “ألمانيا: الإخوان المسلمون والإسلاموية الجديدة”، العين الإخبارية، 27 إبريل 2026: