في الخامس من مايو 2026، أصدر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، التي وصفها بأنها عودة إلى المنطق السليم، وإلى مبدأ «السلام من خلال القوة».
ورغم استناد الوثيقة إلى الرؤية الأمريكية، وسبيل مكافحة ما يواجهه مجتمعها المحلي من تهديدات، فإنها عمليًّا تمثل مؤشرات عامة على الكثير من التحديات التي ستواجهها دول العالم، في ظل تنامي النشاطات الإرهابية، وتعدُّد الجهود الدولية في مكافحة ذلك.
تسعى هذه الدراسة إلى بيان ما تحويه تلك الاستراتيجية الجديدة من سياسات واستشراف تداعياتها المحتملة.
أولًا: الملامح العامة للوثيقة
حرصت الوثيقة على بيان مرتكزات للسياسات الأمريكية لمكافحة الإرهاب في المرحلة الحالية، التي تقوم على:
- التزام الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالدفاع عن أمريكا ضد جميع الأعداء، سواء كانوا أجانب أو محليين، حيث يجب أن ينعم الأمريكيون بالأمان ليعيشوا حياتهم دون خوف.
- إعادة توزيع الأعباء التي تحملتها الولايات المتحدة بشكل غير متناسب، وذلك بالعمل بصورة أكثر حزمًا مع الشركاء؛ للقضاء على التهديدات الإرهابية المتبقية ضد الولايات المتحدة.
وفي سبيل بيان مصادر إنتاج الإرهاب الرئيسية، حددت الاستراتيجية الأمريكية ثلاثة أنواع رئيسية من الجماعات الإرهابية، سيتم توجيه الجهود لمكافحتها، وهي:
- تجار المخدرات الإرهابيون والعصابات العابرة للحدود.
- الإرهابيون الإسلاميون التقليديون.
- المتطرفون اليساريون العنيفون، بمَن فيهم الفوضويون والمناهضون للفاشية.
تشير الوثيقة إلى أبرز الأولويات التي تضعها الإدارة الأمريكية أمامها في إطار مكافحة الإرهاب، وتتمثل في:
1- تحييد التهديدات الإرهابية في نصف الكرة الغربي عبر:
- شلّ عمليات العصابات الإجرامية؛ حتى تصبح غير قادرة على إدخال مخدراتها وعناصرها وضحايا الاتجار بالبشر إلى الولايات المتحدة.
- تعقب وإزالة أعضاء العصابات والكارتلات الذين سُمح لهم بدخول بالدخول خلال إدارة بايدن، مع استخدام تصنيف «المنظمات الإرهابية الأجنبية» لحصار البنية التجارية واللوجستية لتلك التنظيمات.
2- استهداف وتدمير أخطر خمس جماعات إرهابية إسلاموية تمتلك النية والقدرة على تنفيذ عمليات خارجية ضد الولايات المتحدة، وهي:
- تنظيم القاعدة : خاصة فرعه الأكثر عدوانية «تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية».
- تنظيم داعش، وعلى رأسه «داعش خراسان».
- جماعة الإخوان المسلمين، حيث تم تصنيفها منظمةً إرهابية أجنبية، وستواصل ممارسة الضغط على الحركة الجهادية العالمية إلى أن تصبح شبكات الإخوان المسلمين العالمية غير قادرة على تجنيد العناصر أو تمويل الإرهاب ضد الولايات المتحدة.
3- التعرّف السريع على الجماعات السياسية العنيفة ذات الطابع العلماني التي تتبنى أيديولوجيات معادية لأمريكا -المؤيدة بصورة راديكالية للتحول الجنسي والفوضوية- والعمل على تحييدها، وكذلك الدول الراعية لها.
4- منع حصول جهات غير حكومية على أسلحة الدمار الشامل واستخدامها، خاصة استخدام الإرهابيين للأجهزة النووية أو الإشعاعية.
فيما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية الأمريكية، فإننا نجدها تتعلق بتحديد الجماعات التي تمتلك النية والقدرة على التخطيط لهجمات ضد الأمريكيين؛ إما تحييدها أو قطع مصادر تسليحها وتمويلها وتجنيدها والقضاء النهائي عليها. ويتطلب ذلك:
- تصنيف العصابات الإجرامية العابرة للحدود والكارتلات منظماتٍ إرهابية أجنبية.
- اتخاذ الإجراءات الضرورية والمحددة دفاعًا عن النفس لتحييد التهديدات الوشيكة ضد الولايات المتحدة.
- تنفيذ سلسلة من الحملات القصيرة، لكنها عالية الكثافة، ضد الجماعات الجهادية الخمس التي تعدُّها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأخطر، وتملك القدرة على التنفيذ.
- اتخاذ إجراءات دبلوماسية ومالية وسيبرانية وسرية لإضعاف أو ردع الجهات الفاعلة المعادية من الدول عن مساعدة المنظمات الإرهابية الأجنبية المصنفة، سواء كانت عصابات إجرامية، أو جماعات جهادية، أو متطرفين يساريين عنيفين.
ثانيًا: الجهود العملية الأمريكية في مكافحة الإرهاب
أ. نصف الكرة الغربي
- تصنيف الكارتلات والعصابات التي تُغرق الولايات المتحدة بالمخدرات والأسلحة والمهاجرين غير الشرعيين منظماتٍ إرهابيةً أجنبية (FTOs) واستخدام جميع أدوات الدولة.
- تنفيذ عشرات الضربات ضد قوارب تهريب المخدرات التابعة للكارتلات؛ ما أدى إلى انخفاض يزيد على 90% في تهريب المخدرات عبر البحر إلى الولايات المتحدة.
- دمج جهود مكافحة الكارتلات مع مكافحة الإرهاب للولايات المتحدة لتفكيك الشبكات المشتركة، والتمويل، والمسارات اللوجستية التي تستخدمها كل من شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإرهابية الإسلاموية المصنفة.
- القبض على الزعيم غير الشرعي لفنزويلا، وهو زعيم كارتل متحالف مع إيران الراعية للإرهاب ووكيلها؛ حزب الله، وتم نقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة العدالة على جرائمه ضد الأمريكيين.
- استمرار الحملات ضد جميع الكارتلات والعصابات المصنفة منظماتٍ إرهابيةً، وتفكيك شبكاتها وتعطيل مسارات تجنيدها وتمويلها؛ حتى يتم تحييدها أو تصبح غير قادرة على الاستمرار.
ب. الشرق الأوسط
- تشير الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى تراجع المكانة المركزية، التي حَظي بها الشرق الأوسط سابقًا لاستقرار أمريكا، بعد تزايد إنتاجها من الطاقة، لكن التهديدات التهديدات القادمة لاتزال قائمة، رغم الجهود السابقة التي تم بذلها. وعليه، فإن الولايات المتحدة قامت بالعديد من الإجراءات في سبيل مواجهة تلك التهديدات، وهي:
- تفويض الرئيس ترامب جزءًا كبيرًا من صلاحيات البيت الأبيض إلى القادة الميدانيين؛ ما أدى لنجاح القوات الأمريكية في تحييد مئات الإرهابيين الجهاديين في دول عدة. كما تم التركيز على أخطر خمس جماعات جهادية قادرة على تنفيذ عمليات خارجية، حيث يستمر الضغط ضد تلك الجماعات إلى أن تزول قدرتها على تهديد الأراضي الأمريكية؛ إما بتدميرها أو بنقل مهام احتوائها إلى حلفاء أو شركاء قادرين على ذلك.
- الإجراءات الحاسمة ضد إيران؛ كالضربة التي استهدفت العقل المدبر للإرهاب الإيراني قاسم سليماني، خلال إدارة ترامب الأولى، وعملية «مطرقة منتصف الليل» 2025 ضد القدرات النووية الإيرانية، وستستمر عملية «الغضب الملحمي» ضد القدرات العسكرية الإيرانية وطموحاتها النووية -منذ فبراير2026- إلى أن ينتهي التهديد الذي يشكله النظام في طهران.
- تركيز الجهود الاستخباراتية والسيبرانية ضد الوكلاء الإرهابيين المدعومين من إيران الذين يخططون لاستهداف الأمريكيين، والاجراءات الحاسمة ضد عناصر النظام الذين يخططون لهجمات ضد الأمريكيين داخل الوطن، وكذلك ضد المعارضين الإيرانيين والإسرائيليين بالداخل.
- اقتناع الرئيس ترامب بأن جميع الجماعات الجهادية الحديثة، من القاعدة إلى داعش إلى حماس، تعود جذورها إلى تنظيم واحد؛ هو جماعة الإخوان المسلمين؛ ولهذا فإنه أصدر أمرًا تنفيذيًّا صنّف الفرع المصري الأصلي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب الفرعين الأردني واللبناني، منظماتٍ إرهابيةً أجنبية، على أن تتبعها فروع أخرى قريبًا.
- عدم السماح بتحويل الممرات المائية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر، إلى رهائن بيد جهات دولية أو غير دولية، والتهديد باتخاذ إجراءات عسكرية حاسمة ضد أي استهداف لحركة الملاحة البحرية الأمريكية لأهميتها للاقتصاد.
ج. أوروبا
طالبت الوثيقة دول أوروبا بتغيير مصيرها الفردي والجماعي في مكافحة الإرهاب، بعد أن أصبحت هدفًا للإرهاب، وحاضنةً لتهديداته، واتخاذ إجراءات فورية، مثل:
– مكافحة الهجرة الجماعية غير المنضبطة، التي أصبحت بمنزلة حزام ناقل للإرهابيين.
– إجراء نقاشات صريحة حول الإسلاموية، وتخصيص موارد كافية لمواجهة تهديدات الإرهاب والعصابات داخل دولها، ثم المشاركة بفاعلية بمعلوماتها الاستخباراتية المتعلقة بالتهديدات على المستوى العالمي.
ويجب تأكيد أن الولايات المتحدة تعمل مع الحلفاء والشركاء الذين يشاركونها تقييم التهديدات المتعلقة بالعصابات الإجرامية والجهاديين والمتطرفين اليساريين العنيفين، وتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية القابلة للتنفيذ، وتقديم الخبرات اللازمة، إضافة إلى مواجهة «التهديدات الهجينة” التي ترعاها الدول، وتشبه الإرهاب؛ كعمليات التخريب ومخططات الاغتيال.
د. أفريقيا
تشير الوثيقة إلى وجود هدفين للسياسات الأمريكية في مكافحة الإرهاب في أفريقيا:
الأول هو ضمان ألا تتمكن أي جماعة جهادية من إنشاء قاعدة عمليات تتيح لها التخطيط وتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة والمصالح الأمريكية حول العالم، وهو ما سيتم عبر:
- إعادة بناء العلاقات الثنائية في مجال مكافحة الإرهاب مع الحكومات الأفريقية.
- دعم الحكومات بمعلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ، وتطوير قدرات قوات الشراكة في مكافحة الإرهاب.
- ربط التعاون في مكافحة الإرهاب بالأثر الاستقراري الناتج عن تعزيز التجارة والعلاقات الاقتصادية.
- استهداف الشبكات الإرهابية العالمية والمنظمات الإرهابية الأجنبية العاملة في أفريقيا، مثل تصنيف الفرعين السوداني والمصري لجماعة الإخوان المسلمين منظمتَين إرهابيتَين.
أما الهدف الآخر، فهو حماية المسيحيين الذين تعرضوا للقتل على أيدي هذه الجماعات الجهادية؛ وهو ما يعكسه الموقف الأمريكي في نيجيريا بعد ذبح المسيحيين أواخر 2025،حيث تم توجيه ضربات عسكرية دقيقة، والتهديد بقطع المساعدات، إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات صارمة، فضلًا عن تصنيف نيجيريا “دولة مثيرة للقلق بشكل خاص”.
هـ. آسيا
وبحسب الوثيقة، فإن آسيا تُعدّ منطقة مركزية في انتشار الأيديولوجيا الإسلاموية، وتجنيد الإرهابيين، وجمع الأموال للهجمات التي تستهدف الأراضي الأمريكية، وطرق التجارة البحرية الحيوية للولايات المتحدة وشركائها، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.
ومع ما تتعرض له جماعات الشتات القادمة من جنوب آسيا وآسيا الوسطى داخل أمريكا، إلى جانب الجاليات العربية من استقطاب وتطرف من قِبل هذه الجماعات الإرهابية، فإنه يجب تطوير وسائل فعالة لمكافحة الدعاية الإرهابية بشكل مشترك؛ بهدف تحديد منصات الإعلام التابعة للجماعات الإرهابية وتحييدها، وكذلك تحديد مواقع المخططين للهجمات قبل أن يتمكنوا من قتل الأمريكيين.
وفي عام 2025، أعاد الرئيس ترامب بناء علاقات حيوية مع شركاء في جنوب ووسط آسيا؛ لأن هذه العلاقات تُعد أساسية لتقليل التهديد الإرهابي ضد الأراضي الأمريكية، كما طالب الأوروبيين بزيادة عملياتهم في مكافحة الإرهاب في آسيا، كما هو الحال في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث لايزال تنظيما “القاعدة” و”داعش” ينشطان عبر العديد من الدول الآسيوية، ويحظيان بحماية مباشرة من أنظمة معادية تقع خارج آسيا.
خاتمة
في ضوء ما سبق، فإن الاستراتيجية الأمريكية للإرهاب تعكس طبيعة التحدي الذي يمثله، وآثاره العميقة على المجتمعات، التي ستؤثر على مجمل السياسات والتي ستربطها بمؤشرات عدة، هي:
- مؤشر معيار المواجهة: فمكافحة الإرهاب يجب ألا تقتصر فقط على مواجهة الفعل الإرهابي، بل على مكافحة الأيدلويوجيا، التي سببت هذا الفعل، وهي تأكيد مجمل السلوك الأمريكي الأخير في مكافحة تنظيمات التطرف باستمرار صلاحية سياسة الاستئصال الأيديولوجي كبديل لسياسة الاحتواء.
وقد أدى ذلك عمليًّا إلى استهداف الأيديولوجيات الجهادية بكامل الحظر الأمريكي لتنظيمَي “القاعدة” و”داعش”، وهو ما يمتد على فروعهما، وحظر فروع مختلفة من الإخوان المسلمين، مع الإشارة الواضحة إلى وجود فروع أخرى ستنضم للقائمة قريبًا؛ ما يعني اتساع المواجهات ضد الجماعة، وتضييق فرص استمراريتها، خاصة مع انتقادات الوثيقة للمواقف الأوروبية ضد التهديدات التي تمثلها الجماعات الأيديولوجية.
- مؤشر بناء التحالفات: لن تتعاون الولايات المتحدة مع مَن يتهاون في مكافحة الإرهاب، قبل أن يفك ارتباطه بتنظيماته، ولن تتحمل قصور أي من تلك القوى التي تسببت في أي تهديدات للمصالح الأمريكية، وهو ما يعكسه حث واشنطن -في أكثر من موضع- الدول الأوروبية على التعاون والمواجهة، الأمر الذي سينتج عنه بالتالي إعادة النظر في الكثير من التحالفات القائمة والقادمة.
- مؤشر استخدام القوة المادية: وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لمختلف المناطق التي تشهد وجود تنظيمات عنف، أو ترعاها أنظمتها الحاكمة. ومع الضربات العسكرية التي حدثت في نيجيريا، واعتقال الريس الفنزويلي ونقله لأمريكا، فإن إمكانية تكرار هذا الأسلوب لاتزال قائمة، وهو الأمر الذي يمثل تهديدًا حقيقيًّا لتلك الجماعات وحلفائها، ومؤشرًا على احتمالية تطوير الهجمات في إيران ودول أفريقيا الوسطى، التي تشهد حضورًا جهاديًّا متنوعًا وعنيفًا.
إن ذلك كله يؤدي إلى زيادة التحديات السياسية لمختلف الأنظمة الحاكمة، التي قد يتوقف استمرار تأثيرها المحلي والدولي على بيان مواقفها بوضوح مما تراه الولايات المتحدة من تهديدات إرهابية، ومدى اشتباكها الجدي مع الرؤية الأمريكية.
The White House. United States Counterterrorism Strategy 2026. Washington, DC: The White House, 2026. Accessed May 8, 2026. https://tinyurl.com/2a9ocac6