Insight Image

مضيق هرمز في مواجهة التوترات العسكرية الراهنة: القانون الدولي بين وضوح القواعد وتعقيد التطبيق

25 مايو 2026

مضيق هرمز في مواجهة التوترات العسكرية الراهنة: القانون الدولي بين وضوح القواعد وتعقيد التطبيق

25 مايو 2026

مضيق هرمز في مواجهة التوترات العسكرية الراهنة: القانون الدولي بين وضوح القواعد وتعقيد التطبيق

يُنظر إلى مضيق هرمز عادةً بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ليس بحكم موقعه الجغرافي الضيق نسبيًّا فقط، بل لما يرتبط به من تأثير مباشر على حركة الطاقة والتجارة الدولية أيضًا. فهذا المضيق لا يمثّل مجرّد معبر بحري، بل يُشكّل نقطة ارتكاز أساسية في شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تمتدّ آثارها إلى ما هو أبعد من المنطقة الخليجية، ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة منذ عام 2019، ثم امتدادها لاحقًا إلى البحر الأحمر خلال أزمة 2024، أصبح مضيق هرمز يُختبر بشكل متكرّر في سياق تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع الوقائع السياسية والأمنية. وهذا التداخل لا يعكس طبيعة النزاعات المعاصرة فقط، بل يطرح تساؤلات أوسع حول قدرة النظام الدولي على التعامل مع مناطق ذات أهمية استراتيجية عالية. [1]

وتُشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن ما يقارب 20% من صادرات النفط العالمية تمرّ عبر هذا المضيق، أي نحو 20 إلى 21 مليون برميل يوميًّا. وربما لا تعكس هذه الأرقام وحدها كلّ الأبعاد ذات الأهمية، لكنها تعطي مؤشّرًا واضحًا على حجم التأثير المحتمل لأي اضطراب محدود في هذا الممر الحيوي، سواء على مستوى الأسواق أو سلاسل الإمداد العالمية، ومن الصعب تجاهل أن هذه المعطيات تجعل من مضيق هرمز مساحة تتقاطع فيها القواعد القانونية مع حسابات القوة والمصلحة. فبين وضوح النصوص القانونية المنظمة للملاحة، وتعقيد الواقع السياسي الذي يُحيط بها، تظهر فجوة تستحقّ التحليل.

في هذا السياق، يَطرح سؤال أساسي نفسَه: إلى أي مدى يستطيع القانون الدولي ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز؟ وهل تكفي القواعد القانونية القائمة لتحقيق ذلك، أم أن الواقع يكشف عن حدود واضحة لقدرتها على التنفيذ؟

أولًا: الإطار القانوني المنظّم للملاحة في مضيق هرمز

تُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) المرجع الأساسي لتنظيم الملاحة البحرية على المستوى الدولي، خاصة في المضائق التي تمرّ عبرها طرق التجارة العالمية. ولا يقتصر دورها على تنظيم العلاقة بين الدول الساحلية والسفن العابرة، بل يتجاوز ذلك إلى تكريس مبدأ أوسع يتمثّل في حماية حرية الملاحة باعتبارها مصلحة مشتركة بين الدول.[2]

وتُميّز الاتفاقية بين نظامين رئيسيين للمرور: المرور البريء والمرور العابر. ورغم أن كليهما يسمحُ بعبور السفن، فإن الفرق بينهما لا يقتصر على التفاصيل، بل يمتدّ إلى مستوى الحماية القانونية ذاتها.

1. المرور البريء: حقٌّ قائمٌ لكنه ليس مطلقًا

يَمنحُ هذا النظام السفن حقّ عبور المياه الإقليمية للدول الساحلية، على أن يتمّ العبور بشكل مستمر ودون الإخلال بأمن الدولة أو نظامها العام. ومع ذلك، يظلّ هذا الحقّ بطبيعته مقيّدًا؛ إذ يمكن للدولة الساحلية—استنادًا إلى المادة 25 من الاتفاقية أن تعلّق المرور مؤقتًا في مناطق معينة إذا رأت أن ذلك ضروري لأسباب أمنية، على أن يتم الإعلان عن هذا التعليق مسبقًا. وتُشير الاتفاقية أيضًا إلى حالات يَفقد فيها المرور صفته “البريئة”، من بينها القيام بأنشطة عسكرية، أو جمع معلومات ذات طابع استخباراتي، أو التهديد باستخدام القوة، أو التسبب في تلوث متعمد. ومن ثمَّ، ورغم الاعتراف القانوني بهذا الحقّ، فإنه يظلّ أقلّ استقرارًا مقارنة بالمرور العابر، نظرًا لإمكانية تقييده أو تعليقه في ظروف معينة.

2. المرور العابر: نطاقٌ أوسع للحماية

في المقابل، يُوفّر نظام المرور العابر حماية أكبر لحرية الملاحة في المضائق الدولية. فهو لا يقبل التعليق، ويشمل مختلف أنواع السفن، بما في ذلك السفن العسكرية والغواصات، كما يمتدّ ليشمل المجال الجوي فوق المضيق، وتكمن أهمية هذا النظام في أنه يهدف إلى ضمان استمرارية الملاحة دون انقطاع، خاصة في الممرات التي لا تتوافر لها بدائل عملية، وبالرجوع إلى مضيق هرمز، فإنه يُصنّف ضمن المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ومن ثمَّ يخضع لهذا النظام. وهذا يعني أن الدول المطلّة عليه لا تملك، من الناحية القانونية، حقّ إغلاقه بشكل شامل.

3. قضية قناة كورفو (1949): الأساس العرفي 

تُعدّ قضية قناة كورفو من أبرز السوابق في القانون الدولي البحري، حيث أكدت محكمة العدل الدولية حقّ المرور السلمي في المضائق الدولية، وفي الوقت ذاته شددت على مسؤولية الدولة الساحلية في ضمان سلامة الملاحة.[4]، وما يُميز هذه القضية هو التوازن الذي حاولت المحكمة ترسيخه بين حرية الملاحة واحترام السيادة. إذ حمّلت ألبانيا المسؤولية لعلمها بوجود الألغام دون تحذير السفن، لكنها لم تقر تصرف بريطانيا بالكامل. وقد أسهم هذا الحكم في ترسيخ قاعدة عرفية ما تزال حاضرة في الممارسة الدولية، حتى في ظلّ ظروف تصعيد مثل حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي.[5]

ثانيًا: الموقف الإيراني… ثغرة قانونية أم أداة ضغط سياسية؟

حتى الآن، لم تُصادق إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وتتمسك منذ اعتمادها عام 1982 برأي مفاده أن نظام المرور العابر لا يُلزم إلا الدول التي صادقت على الاتفاقية، في المقابل، تستند إيران إلى اتفاقية جنيف لعام 1958 بوصفها مرجعية بديلة. وقد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى مثيرًا للجدل، لكنه لا يؤدي في الواقع إلى تغيير جوهري في النتيجة القانونية المتعلقة بحرية الملاحة. فهذا الموقف يواجه عقبتين واضحتين:

أولًا، إن اتفاقية جنيف نفسها تنصّ على عدم جواز تعليق المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، حتى ضمن إطار المرور البريء.

ثانيًا، يقوم القانون الدولي على مبدأ أساسي يتمثل في إلزامية القواعد العرفية لجميع الدول، وهو ما يجعل قواعد حرية الملاحة قابلة للتطبيق حتى دون التصديق الرسمي على الاتفاقيات، ومع ذلك، لا يبدو هذا الطرح محلّ اتفاق كامل؛ إذ يظلّ محلّ نقاش بين الباحثين حول مدى قوته القانونية وحدوده العملية، في ضوء ذلك، يُنظر إلى التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق خاصة في أزمتي 2011–2012 و2019 على أنها أقرب إلى أدوات ضغط سياسية منها إلى مواقف قانونية قابلة للتنفيذ، كما أن أي إغلاق فعلي للمضيق قد يحمل كلفة مرتفعة على إيران نفسها، وهو ما يجعل هذا الخيار أقلّ احتمالًا من الناحية العملية، رغم حضوره المتكرر في الخطاب السياسي.[7]

ثالثًا: التداعيات الاقتصادية على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية

لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز من زاوية قانونية أو أمنية فقط؛ إذ تمتدّ تأثيراته بشكل مباشر إلى بنية الاقتصاد العالمي. فالتوترات في هذه المنطقة لا تبقى محصورة جغرافيًّا، بل تنعكس سريعًا على سلاسل الإمداد، وتكاليف النقل، وحتى على قرارات الشركات والحكومات.

ويمكن تتبُّع أبرز هذه التداعيات من خلال عدد من المسارات المتداخلة:

1. القوة القاهرة وتأثيرها على العقود التجارية

عند تصاعد التوترات أو تعطل الملاحة، تميل الشركات إلى اللجوء إلى بنود القوة القاهرة التي تسمح بتعليق الالتزامات التعاقدية في حال وقوع ظروف خارجة عن السيطرة. ومع ذلك، لا يتمّ تطبيق هذه البنود بشكل تلقائي؛ إذ يعتمد ذلك على صياغة العقد، والقانون المطبّق، ومدى تأثير الحدث على إمكانية التنفيذ.

وقد أدّى هذا إلى بروز اختلافات في التفسير، خصوصًا في هيئات التحكيم الدولية، حول ما إذا كانت التوترات المحدودة تُعدّ قوّة قاهرة بالفعل. كما يختلف التعامل مع هذه الحالات بين الأنظمة القانونية، حيث يشترط القانون الإنجليزي استحالة التنفيذ بشكل كامل.

2. تأمين مخاطر الحرب وتأثيره على الأسعار

يُعدّ تأمين مخاطر الحرب من أكثر الجوانب تأثّرًا بالتوترات الجيوسياسية. فعادةً ما ترتفع أقساط التأمين بسرعة ملحوظة بمجرد تصنيف منطقة معينة منطقةَ خطر، وأحيانًا خلال فترة قصيرة جدًّا، وتُشير المعطيات الحديثة إلى أن هذه التكاليف ارتفعت بشكل ملحوظ مع كلّ تصعيد في منطقة الخليج منذ عام 2019، كما شهدت تكاليف الشحن زيادات واضحة عقب أزمة البحر الأحمر في 2024. ولا تبقى هذه الزيادات محصورة في قطاع النقل، بل تمتدّ تدريجيًّا إلى أسعار السلع، خاصة في الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة.

3. تغيير مسارات الشحن وتكاليفه

في ظلّ ارتفاع المخاطر، تلجأ بعض شركات الشحن إلى اعتماد طرق بديلة، مثل الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح. غير أن هذا الخيار، رغم أنه أكثر أمانًا نسبيًّا، ينطوي على تكاليف إضافية ملموسة، سواء من حيث الزمن أو الوقود أو الضغط على سلاسل الإمداد، وقد أظهرت تجربة البحر الأحمر في 2024 أن التحوّل الجماعي نحو مسارات أطول يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الشحن، وصل في بعض الحالات إلى ثلاثة أضعاف. أما في حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز لفترة محدودة فإن الخسائر الاقتصادية قد تكون كبيرة، حيث تُقدّر بعض الدراسات نطاقها بين 50 و100 مليار دولار خلال شهر واحد، وهو تقدير تقريبي لكنه يعكس حجم المخاطر المحتملة.

4. استثناءات الأمن القومي في منظمة التجارة العالمية

تسمح المادة XXI من اتفاقية الغات (GATT) للدول باتخاذ إجراءات تجارية بدعوى حماية الأمن القومي. غير أن مرونة هذا النص تفتح المجال لتفسيرات واسعة، وقد يُستخدم أحيانًا خارج سياقه الأمني الصرف، وقد لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد الاعتماد على هذا الاستثناء، ليس في حالات أمنية مباشرة فقط، بل ضمن سياسات تجارية ذات طابع حمائي أيضًا. ورغم أن منظمة التجارة العالمية أكدت أن هذه الإجراءات ليست خارج نطاق المراجعة، فإن قدرتها على ضبطها تظلّ محدودة في الواقع.

5. العقوبات الاقتصادية وتعقيد المشهد القانوني

تُضيف العقوبات الاقتصادية خصوصًا الأمريكية المفروضة على إيران تعقيدًا إضافيًّا إلى الوضع القائم. فالشركات العاملة في مجالات النقل والتأمين والتجارة لا تواجه مخاطر أمنية فقط، بل مخاطر قانونية مرتبطة بالعقوبات أيضًا، خاصة ما يُعرف بالعقوبات الثانوية، ويضع ذلك الشركات أمام خيارات صعبة: هل تلتزم بالقواعد القانونية الدولية، أم تعطي الأولوية لتجنّب المخاطر المرتبطة بالعقوبات؟ وغالبًا ما يؤدي هذا التردّد إلى زيادة الحذر، وارتفاع التكاليف، وتعقيد سلاسل الإمداد.

رابعًا: آليات الإنفاذ الدولي بين الصلاحيات الواسعة والقيود الواقعية

تبدو القواعد القانونية المنظمة للملاحة في مضيق هرمز، من حيث النصوص، واضحة ومتماسكة إلى حدّ كبير. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه القواعد، بل في مدى القدرة على تطبيقها في بيئة دولية تتسم بتعقيدات سياسية واضحة. وترتبط هذه الإشكالية بعدد من القيود التي تحدّ من فعالية آليات الإنفاذ:

1. مجلس الأمن: صلاحيات واسعة ضمن حدود سياسية

يمتلكُ مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أدوات قانونية واسعة للتعامل مع التهديدات التي تمسّ السلم والأمن الدوليين. ومن حيث المبدأ، يمكن اعتبار تعطيل الملاحة في مضيق استراتيجي مثل هرمز تهديدًا يستدعي اتخاذ إجراءات قد تصل إلى استخدام القوة.

وقد يُستأنس في هذا السياق بقرار مجلس الأمن رقم 678 لعام 1990، إلا أن القياس على هذه الحالة يظلّ محدودًا في ظل اختلاف السياقات السياسية، ففي الواقع، يبقى تفعيل هذه الصلاحيات مرتبطًا بتوافق القوى الكبرى، وهو أمرٌ يصعب تحقيقه في ملفات حساسة. واحتمال استخدام حقّ النقض (الفيتو) يجعل من الصعب الوصول إلى قرارات حاسمة، وهو ما يعكس قيودًا بنيوية في نظام الأمن الجماعي.

2. دليل سان ريمو (1994): وضوح القواعد وتعقيد التطبيق

يُعدّ دليل سان ريمو من أهم المراجع في القانون الدولي الإنساني البحري، رغم طبيعته غير الملزمة. وهو يؤكد استمرار حقّ المرور في المضائق الدولية حتى في أثناء النزاعات المسلحة، مع تقييده فقط في حال توافر بدائل مناسبة، غير أن هذا الشرط يُثير إشكالًا واضحًا في حالة مضيق هرمز، حيث لا يوجد بديل عملي يمكن أن يؤدي الدور نفسه. ومن ثمَّ، يُصبح أي تقييد للملاحة فيه محلّ نقاش قانوني واسع.

كما يضع الدليل شروطًا للحصار البحري، مثل الإعلان المسبق والفعالية، وتجنّب الإضرار بالمدنيين، إلا أن تطبيق هذه الشروط في سياق معقّد يظلّ تحدّيًا قائمًا.

3. التحالفات البحرية: فعالية ميدانية وتساؤلات قانونية

في ظلّ محدودية التحرّك عبر مجلس الأمن، برزت تحالفات بحرية تقودها دول كبرى، مثل قوة المهام المشتركة (CTF 151) والعملية الأوروبية “أسبيدس”.

وقد أسهمت هذه التحالفات في تعزيز أمن الملاحة إلى حدّ معين، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات قانونية تتعلق بمدى مشروعية هذا التدخّل، خاصّة إذا تمّ دون تفويض دولي واضح.

أما من حيث التسوية القانونية، فتوجد آليات مثل محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS)، غير أن بطء إجراءاتها وطبيعتها التوافقية يجعلانها أقلّ ملاءمة للتعامل مع الأزمات السريعة.

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية وآفاق الاستقرار

في ضوء المعطيات السابقة، يمكن النظر إلى الوضع في مضيق هرمز بوصفه معادلة دقيقة تجمع بين عنصرين متناقضين: إطار قانوني دولي يبدو متماسكًا من حيث النص، في مقابل واقع سياسي يجعل تطبيق هذا الإطار محدود الفعالية. وفي ظل هذه المفارقة، تبرز مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمستقبل المنطقة.

أوّل هذه السيناريوهات يتمثل في استمرار نمط “التوتر المُدار”، وهو السيناريو الأقرب للتحقّق في المدى المنظور. فالتجربة العملية تُشير إلى أن التوترات في المضيق غالبًا ما تبقى ضمن حدود محسوبة، تتجلى في احتجاز سفن، أو مناوشات محدودة، أو تهديدات متكررة دون الوصول إلى إغلاق فعلي للمضيق. ويُفسَّر ذلك جزئيًّا بحسابات الكلفة؛ إذ إن أي تعطيل شامل للملاحة سيؤثر سلبًا على إيران نفسها، إلى جانب تداعياته العالمية. وضمن هذا الإطار، تستمرُّ الملاحة، لكنها تصبح أكثر كلفة، وأعلى مخاطرة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثّل في احتمال حدوث تصعيد عسكري محدود في المجال البحري. وفي هذه الحالة، لن يكون التحدّي قانونيًّا بقدر ما سيكون سياسيًّا: هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة الكافية لتفعيل قواعد القانون الدولي؟ فمن المرجح أن تواجه القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قيودًا استراتيجية معقدة، في حين يظلّ مجلس الأمن عاجزًا عن التحرك الحاسم بسبب توازنات الفيتو. وعلى المستوى الاقتصادي، قد يؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط، واضطراب ملحوظ في سلاسل الإمداد، مع تأثيرات خاصة على الدول المستوردة للطاقة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا في المرحلة الراهنة، فيفترض الوصول إلى تسوية دبلوماسية أوسع، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، بما ينعكس إيجابًا على استقرار المضيق. غير أن هذا الخيار يواجه جملة من التحديات، من بينها التعقيدات الداخلية في إيران، واستمرار الاستقطاب الدولي، وضعف مستويات الثقة بين الأطراف. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو هو الأكثر استدامة على المدى الطويل، ويُشكّل هدفًا تسعى إليه الجهود الدبلوماسية، ولو بشكل تدريجي، لتقليل احتمالات التصعيد.

الخاتمة

تكشفُ هذه الدراسة، عند النظر إليها في مجملها، أن الإطار القانوني الدولي المنظم للملاحة في مضيق هرمز يتمتّع بدرجة عالية من الوضوح والتماسك على المستوى النظري. فالقواعد المستمدة من اتفاقية قانون البحار، ومن القانون الدولي العرفي، ومن السوابق القضائية، تتقاطع جميعها عند مبدأ أساسي يتمثّل في حماية حرية الملاحة، ورفض أي إغلاق شامل للمضيق.

غير أن هذا الوضوح القانوني لا ينعكس بالضرورة على مستوى التطبيق. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نقص القواعد، بل في حدود القدرة على فرضها في بيئة دولية تتسم بتعقيدات سياسية واضحة وتوازنات دقيقة بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يصبح تنفيذ القانون مرتبطًا بعوامل تتجاوز الإطار القانوني ذاته، لتشمل اعتبارات القوة والإرادة السياسية.

ومن هنا، يمكن القول إن الإشكالية لا تتعلّق بما إذا كان القانون الدولي يمنع إغلاق مضيق هرمز فذلك يبدو محسومًا إلى حدّ كبير، بل تتعلّق بمدى قدرة النظام الدولي على تحويل هذا المنع إلى واقع عملي في ظلّ الأزمات، وربما تكمن المفارقة في أن وجود قواعد واضحة لا يعني بالضرورة فعاليتها. فالقانون، مهما بلغ من التماسك، يظلّ بحاجة إلى إرادة سياسية تدعمه، وإلى آليات إنفاذ قادرة على التفاعل مع الواقع، لا الاكتفاء بتنظيمه نظريًّا. 

الهوامش والمصادر

[1] U.S. Energy Information Administration. (2024). World oil transit chokepoints: Strait of Hormuz. https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/World_Oil_Transit_Chokepoints

[2] United Nations. (1982). United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS).

[3] Tanaka, Y. (2019). The international law of the sea (3rd ed.). Cambridge University Press.

[4] International Court of Justice. (1949). Corfu Channel case (United Kingdom v. Albania), judgment of April 9, 1949. ICJ Reports.

[5] Kraska, J., & Pedrozo, R. (2013). International maritime security law. Martinus Nijhoff Publishers.

[6] United Nations. (1958). Convention on the territorial sea and the contiguous zone.

Churchill, R., & Lowe, A. V. (1999). The law of the sea (3rd ed.). Manchester University Press.

[7] The Washington Institute for Near East Policy. (2019). Clarifying freedom of navigation in the Gulf (Policy Analysis No. 3154).

[8] Stephenson Harwood LLP. (2024). Strait of Hormuz: Heightened war risks and implications for marine insurance.

United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2024). Strait of Hormuz disruptions: Implications for global trade and commodity markets (Research Paper No. 88).

[9] United Nations Security Council. (1990). Resolution 678 (1990).

United Nations. (1945). Charter of the United Nations.

[10] Doswald-Beck, L. (Ed.). (1995). San Remo manual on international law applicable to armed conflicts at sea. Cambridge University Press.

[11] Council on Foreign Relations. (2023). Soaring abuse of national security exceptions and the erosion of the multilateral trading system.

World Trade Organization. (2019). Russia—Measures concerning traffic in transit (WT/DS512/R).

[12] Jackson, J. H. (2019). National security and international trade: The security exceptions in GATT Article XXI. Journal of International Economic Law, 22(2), 367–388.

المواضيع ذات الصلة