Insight Image

انسحاب الإمارات من “أوبك”.. قراءة في الدوافع والآثار واتجاهات المستقبل للتنظيمات النفطية

17 مايو 2026

انسحاب الإمارات من “أوبك”.. قراءة في الدوافع والآثار واتجاهات المستقبل للتنظيمات النفطية

17 مايو 2026

انسحاب الإمارات من “أوبك”.. قراءة في الدوافع والآثار واتجاهات المستقبل للتنظيمات النفطية

في الأول من مايو 2026، كان الاقتصاد العالمي على أعتاب تحوّل استراتيجي في أحد أهم أسواقه قاطبة؛ فقد اتخذت دولة الإمارات قرارًا استراتيجيًّا/ سياديًّا ترك تأثيرات واسعة على سوق النفط العالمي؛ فبعد ما يقرب من ستة عقود من المشاركة الفاعلة، قرّرت دولة الإمارات الانسحاب من عضوية منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، والصيغة الموسّعة منها “أوبك بلس”، ثم أبلغت منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط “أوابك” بخطوة مماثلة.

وأثار انسحاب دولة الإمارات من هذه المنظمات أصداء واسعة النطاق، وترك أسئلة تتجاوز ظاهر الحدث إلى ما يكمن وراءه من حسابات بنيوية تتصل بتصوّر الدولة لمصالحها الوطنية، وموقعها داخل سوق الطاقة العالمي، وحدود ما يمكن أن توفره المنظمة من مكاسب، أو ما تفرضه من قيود، أو ما تخلقه من تحديات على أعضائها.

وبينما لا تفسَّر قرارات الانسحاب من الأطر الجماعية في مجال الطاقة عادةً بعامل منفرد، فإنها دائمًا ما تأتي نتيجة تفاعل مركب بين الاقتصاد والسياسة والاستراتيجية والمصفوفة التحليلية لمعطيات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة؛ وهذا -تحديدًا- هو ما شهده القرار السيادي لدولة الإمارات بالتخارج من ترتيبات أسواق النفط الدولية، بما تملكه من قدرات إنتاجية في “أوبك” تبلغ نحو 3.5 ملايين برميل يوميًّا، ورؤية إنتاجية طموح تناهز نحو 5 ملايين برميل يوميًّا.

وفي نظرة سريعة على تاريخ منظمة “أوبك”، نجد أنها نشأت وتطورت بوصفها أداة جماعية لإدارة العرض النفطي وتحقيق قدر من الاستقرار السعري، حيث تخدم مصالح أعضائها التنموية في معظم الأحوال. ومن الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في وجهات النظر؛ بسبب تباين أولويات الأعضاء، واختلاف تقييمهم للسياسات المتعلّقة بالتوزيع العادل للأعباء والمكاسب([1])، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالاستثمارية والإنتاجية والتصديرية.

وفي عالم يشهد تغيّرات جذرية على الصعد كافة، يأتي تخارج دولة الإمارات اتساقًا مع هذا الواقع وليس وليد لحظة اقتصادية أو استراتيجية عابرة، بل يُعدّ نتاج مراجعة وطنية هادئة وشاملة ومتعدّدة الجوانب، ارتأت أن كلفة الاستمرار داخل ذلك الإطار الجماعي، متمثلًا في “أوبك”، باتت أعلى من الإيجابيات والمكاسب المتحقِّقة من الاستمرار في الانضواء تحت لوائه([2]). وليس هذا على مستوى دولة الإمارات فحسب؛ بل أيضًا على مستوى المنظمة نفسها والغرض الذي تأسّست من أجله؛ ذلك أن تثبيت الوضع القائم يعني ترسيخه بما يتضمّنه من إيجابيات وسلبيّات، ولا يساعد على تطوير المنظمة أو تحسين استجابتها لمستجدّات الواقع العالمي، فضلًا عن تحقيق أهدافها الأصلية أساسًا.

والفقرات التالية، بما تحمله من مضمون تحليلي واستشرافي، ستعمل على استجلاء دوافع دولة الإمارات لهذا القرار الاستراتيجي، وتتأمل في تأثيراتها على الصعد المختلفة، ثم تُلقي نظرة متعمّقة على مستقبل سوق نفط عالمي يعاد تشكيله وهيكلة تكتلاته الرئيسية، وفي القلب منها منظمة “أوبك”.

أولًا-الدوافع الموضوعية لانسحاب دولة الإمارات من “أوبك”، و”أوبك بلس”، و”أوابك”:

عند تناول دوافع ومبرّرات دولة الإمارات للخروج من منظمة “أوبك” وتكتّل “أوبك بلس” ومجموعة “أوابك” العربية، فإن الدافع الاقتصادي يطلّ برأسه كمدخل رئيسي ومباشر؛ أخذًا في الاعتبار وجوب الاقتراب إليه تحليليًّا بمنظور الاقتصاد السياسي، وهو ما توافقت حوله ضمنيًّا تحليلات عديدة، بما فيها بعض تلك الرسمية المعبّرة عن الدولة([3]). وفيما يتعلق بالدوافع في جانبها الاقتصادي المباشر، فلا حاجة إلى توضيح أنها لا تتعلق فقط بالتحفظ عن حجم إنتاج كل دولة عضو بالمنظمة، وإنّما حول توزيع الحصص فيما بين الدول الأعضاء أيضًا، وما إذا كانت تعبّر بشكل عادل أم لا عن حجم احتياطيات كلّ دولة، وقدراتها الإنتاجية، مقابل احتياجاتها المباشرة وغير المباشرة وخططها التنموية([4])، إضافةً إلى تأثير هذه القرارات على جدوى الاستثمارات الوطنية في قطاع النفط؛ أي ما يمكن اعتباره المسافة الفاصلة بين المدى المسموح به للحركة داخل المنظمة، و”الثقل النفطي” الفعلي للدولة. وقد كان ذلك تحديدًا هو نقطة البداية في المواجهة التي كانت تضعها دولة الإمارات على طاولة اجتماعات “أوبك” منذ سنوات.

وبينما يكتسب هذا الدافع الاقتصادي أهمية متزايدة، بالنظر إلى التفاوت بين الدول الأعضاء في مدى الالتزام بالحصص المقرّرة، وحدود الانضباط الطوعي الذي تمارسه كلّ دولة في هذا الخصوص؛ فقد كانت دولة الإمارات نموذجًا للالتزام بصرامة بقواعد المنظمة وقراراتها الخاصة بضبط عمليات التسعير وكميات التصدير؛ فيما يمكن بسهولة ملاحظة تخلّي دول أخرى عن هذا الالتزام، وافتقاد المنظمة في كثير من الحالات عنصر الانضباط المؤسّسي، والامتثال الذاتي من جانب بعض الدول الأعضاء، أو حتى الدور الرقابي الفعال في ضبط إيقاع عمليات الإنتاج والتصدير.

وأمام هذا الوضع غير المتناسب، فإن دولة الإمارات انطلقت من حسّ المسؤولية الوطنية، وليس فقط بدافع الحرية السيادية أو القرارات التي لا تُلقي بالًا لأعضاء المنظمة والتكتل، حيث إن التوجهات الإماراتية في سوق الطاقة ومجمل السياسات المتعلقة بموارد الدولة وعوائدها (النفطية خصوصًا) لا تتحدَّد بموجب عوامل اقتصادية أو بحسابات المكسب والخسارة فقط، وإنّما لدى دولة الإمارات رؤية تنموية شاملة للدولة والمجتمع والتنمية، وكذلك للإنسانية ولشعوب العالم والتنمية المستدامة عالميًّا؛ الأمر الذي يتطلّب ديناميكية في القرار ومرونة في التحرّك، إذ يظل النفط جزءًا من منظومة شاملة ومتكاملة توازن بين الموارد والاستثمارات الداخلية والخارجية وفق خريطة دقيقة ومدروسة من جوانب متعدّدة. فالدولة لا تبحث عن المكاسب المباشرة للاقتصاد الوطني فقط؛ إذ إن الاقتصاد الإماراتي من القوة بحيث لا تكون مراكَمة المكاسب الوطنية غاية في حدّ ذاتها، وإنّما تأتي في مقدّمة الأولويات الإماراتية المشروعات التنموية الخارجية، والمساعدات الإنسانية، وتلبية احتياجات الشعوب الفقيرة والدول الساعية إلى النمو، علاوة على رؤية إماراتية لتوجيه أسواق النفط لتعمل لصالح التنمية المستدامة عالميًّا.

ومن زاوية أوسع، كان خروج دولة الإمارات من منظمة “أوبك” هو في جوهره إعادة تأكيد لسيادية القرار الإماراتي فيما يتعلق بالنفط، وفيما يخصّ مستقبل مورد آخذ في النضوب ويمكن أن يكون قد وصل إلى ذروة الطلب عليه. وبصرف النظر عمّا يتضمّنه ذلك من مسائل تفصيلية وجزئية، مثل حجم الإنتاج والكميات المصدَّرة وتعديلها زيادة أو نقصانًا واتجاهات توزيعها وتوقيتاتها، وهي جوانب تصبّ في جوهر السيادة الاقتصادية للدولة، يظل القرار الإماراتي واضعًا الاستثمار والمرونة والتنمية نصب عينيه، إضافةً إلى أن قرار الاستمرار في عضوية أي منظمة أو كيان عالمي أو التخلّي عنها، هو في الأصل قرار سيادي بالمطلق.

وارتباطًا بهذا البُعد السيادي، لا يمكن النظر إلى الخطوة الإماراتية بمعزل عن البيئة المحيطة بسياقاتها السياسية والاستراتيجية والأمنية. فقد تحولت الطاقة الأحفورية في العالم المعاصر إلى أحد مصادر القوة، وأداة ديناميكية وفعالة في إدارة العلاقات بين الدول، ووسيلة رئيسية لتمويل القوة الناعمة للدول عالميًّا؛ ما جعل النفط أكثر من مجرد سلعة تجارية، وللدرجة التي صار معها ورقة جوهرية لا بد أن تخضع بأكملها لإرادة الدولة وقرارها، وفق حساباتها الوطنية المتحرَّرة من قيود اقتصادية أو تجارية، ربّما تُضيّق الخيارات وآفاق الحركة أمام الدولة النفطية.

وكما تتأثر أسواق النفط العالمية بالأوضاع والتطورات الجيوسياسية، فإن التعامل بفاعلية وحكمة مع تلك التطورات العالمية يتطلب بدوره امتلاك حرية القرار ومرونة توظيف الأدوات المتاحة لكلّ دولة، بما فيها النفط؛ استثمارًا وإنتاجًا وتصديرًا. وكما يلعب العامل “الأمني” دورًا مباشرًا -بل حاسمًا- في سلاسل إنتاج وتصدير وتوريد النفط؛ فإن المنطقي أن يكون للنفط ذاته دور في التعاطي مع المستجدات الأمنية والسياسية، التي تتقاطع بشكل مباشر وحيوي مع مصالح الدولة النفطية وأمنها.

إن ما سبق تحديدًا هو الذي يُبرز البعدَين الأمني والجيوسياسي في قرار دولة الإمارات الانسحاب من التنظيمات الدولية والإقليمية بسوق النفط الدولي؛ وتزداد أهمية إدراك هذا البعد غير المرئي، بالنظر إلى ما يحدث من تفاوت في الرؤى والتقديرات بين الدول الأعضاء في “أوبك” حول القضايا الإقليمية والعالمية التي تبدو خارج النطاق النفطي أو الاقتصادي المباشر، التي قد يتطلب التعاطي معها قرارات نفطية مباشرة أو إجراءات اقتصادية في نطاق أوسع؛ وحينئذٍ يكون امتلاك حرية القرار حقًّا سياديًّا للدولة، وأمرًا لا يقبل الجدل. وتجنبًا لمعضلة التقاطع بين القرارات الوطنية والحسابات الجماعية المرتبطة بمصفوفة تقديرات وتوجهات الدول أعضاء “أوبك”، كان قرار دولة الإمارات الانسحاب من المنظمة يمثّل خطوة تفرضها مستجدّات متلاحقة تتجاوز حدود الدائرة النفطية ونطاق أهداف وأدوار في منظمة “أوبك”.

وبينما تقدِّم الأزمة الحالية بين إيران والولايات المتحدة مثالًا معبّرًا عن مردود الأحداث السياسية والأمنية على تجارة النفطية العالمية، فضلًا عن الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط بمختلف جوانبه؛ فإنه لا حاجة إلى إيضاح ما في السلوك الإيراني العدواني والهجمات الغاشمة على أراضي وشعوب دول مجلس التعاون الخليجي من انتهاك صارخ لمبادئ حسن الجوار وقواعد القانون الدولي عمومًا، والأسس والأهداف الإيجابية التي تأسّست عليها منظمة “أوبك” وكذلك “أوبك بلس”، أو أي ترتيبات وتنظيمات على الصعيد الدولي؛ إن هذا -تحديدًا- يُبرز دافعًا إضافيًّا يفسّر أهمية القرار الإماراتي في ضمان المرونة في تحرّكاتها في الأسواق الدولية والكفاءة في استجابتها لما تفرضه المستجدات القائمة والمتوقعة.

ثانيًا-أصداء وتأثيرات انسحاب دولة الإمارات من ترتيبات سوق النفط الدولي:

لا شك أن امتلاك دولة الإمارات قرارها النفطي بشكل مستقلّ تمامًا، وبإرادتها المنفردة الحرة، يمثّل وحدَه مكسبًا مباشرًا اقتصاديًّا وسياسيًّا. فمن جهة المكسب الاقتصادي، تحرّرت دولة الإمارات من قيود التسعير، وتحديد سقف الإنتاج، وغيرها من القواعد والحسابات الخاصة بمنظمة “أوبك”؛ ما يعني زيادة في العوائد النفطية، وأريحية أكبر في تحديد اتجاهات التصدير وتوقيتاتها([5])؛ ما ينعكس في النهاية على جدوى الاستثمارات القائمة في قطاع النفط الإماراتي، وفي توجّهات هذا الاستثمار في المستقبل.

ومن جهة المكسب السياسي ستظهر، بصورة أكبر، أهميةُ استكمال وتأكيد الاستقلالية في القرار النفطي، إذ سيتم توظيف المرونة النفطية في خدمة مصالح الدولة وتحقيق أهداف السياسة الخارجية، سواء بشكل مباشر عبر توطيد العلاقات وتوثيق الروابط مع الدول المستفيدة من مبادرات دولة الإمارات الإنسانية والتنموية، أو بصورة غير مباشرة بتعظيم أدوات الحركة الإماراتية وفاعليتها في عالم متعدّد المسارات والمجالات، بما في ذلك مجال التحوّل العالمي المتسارع للطاقة الجديدة والمتجدّدة والتزامات المناخ الدولية، التي قد تُسبّب تراخيًا في الطلب على الوقود الأحفوري مستقبلًا.

وبالنسبة لمنظمة “أوبك” ذاتها، فإن الأثر المباشر الفوري لخروج دولة الإمارات هو فقدان المنظمة واحدة من أكبر الدول وأقواها في مجال النفط العالمي، ولاسيّما أنها هي ثاني أكبر منتج للنفط لديه قدرات إنتاجية فائضة؛ ما يعني بدوره خسارة المنظمة قدرًا معتبرًا من رصيدها ومكانتها الأدبية والفعلية، وخسارة استراتيجية لمستويات المرونة في إنتاج المنظمة من النفط.

وعلى الرغم من أن انسحاب دولة الإمارات ليس هو الأول في تاريخ المنظمة، فإن له صدى غير مسبوق داخل المنظمة وخارجها، بفعل الثقل والمكانة والمرونة الإنتاجية التي تتمتع بها الدولة؛ ما يعني أن المنظمة بعد هذا الخروج لن تُعدّ أبدًا مثلما كانت قبله. ويمكن التأكيد أن هذا التحوّل سيكون بصفة خاصة بالنسبة للتماسك الداخلي بين أعضاء المنظمة أو النظر في قرارات الإنتاج ونظام الحصص المتبع؛ إذ سيكون تكرار الخطوة الإماراتية بواسطة دول أخرى أعضاء في “أوبك” قابلًا للقياس وتقدير التبعات والتداعيات؛ ما يجعله أسهل عن ذي قبل. وبصرف النظر عن التفاوت في الوزن النسبي والثقل الذي تتمتع به دولة الإمارات عالميًّا، فإن خروج دولة الإمارات من “أوبك” سيلفت النظر إلى أن مرحلة الانضواء تحت لواء تكتلات دولية ومنظمات متعدّدة الأطراف لم يَعُد الآلية الوحيدة ولا بالضرورة الأكثر ملاءمة لتحقيق توازن أو تلبية مصالح الدول، سواء الفردية أو الجماعية.

وتجدر الإشارة إلى أن معضلة الموازنة بين الحصص المقرّرة والتوجهات الوطنية للدول الأعضاء ليست مستحدَثة، وإنما هي محلّ اهتمام وسجالات داخل المنظمة منذ عقود([6]). لكن ستتضح أهمية تلك النقطة، بالنسبة للدول الأقل ثقلًا من دولة الإمارات في مجال الطاقة، خصوصًا داخل المنظمة. فنتيجة افتقاد الثقل الذي يمنح ذلك التوجّه زخمًا وثقة؛ ستجد تلك الدول في الخطوة الإماراتية نموذجًا قابلًا للقياس، أو قدوة يحتذى بها للتحرّك المستقل القائم على رؤية الدولة لمصالحها الوطنية، من دون تجاهل العوامل المؤثرة، بما فيها البيئة المحيطة وتعقيداتها.

وكنتيجة منطقية لهذه المستجدات، أُثيرت نقاشات واسعة داخل المنظمة حول فاعلية قواعد العمل بها، ومدى ملاءمتها وصلاحيتها كأسس للعمل الجماعي التوافقي في مجال النفط([7]). ولذلك، فمن المتوقع أن يدفع انسحاب دولة الإمارات بقية أعضاء “أوبك” إلى مراجعة سريعة لسياسة الإنتاج والحصص، وسقوف الإنتاج الحالية. وهو ما بدأ فعليًّا بقرار زيادة رمزية في الإنتاج عقب الانسحاب الإماراتي مباشرة، والاتجاه إلى زيادة الإنتاج أكثر من نصف مليون برميل يوميًّا، بدءًا من أغسطس المقبل([8]).

وعلى أي حال، فمن المتوقع أن تؤدي الخطوة الإماراتية إلى استقطاع قدر من مساحة التنسيق الجماعي التي كانت تستحوذ عليها منظمة “أوبك” لصالح تفاهمات ومشاورات ثنائية، بل متعدّدة الأطراف أيضًا، خارج نطاق المنظمة؛ ما يمكن أن يوصف بأنه ترتيبات محتملة منافسة لـ”أوبك”. وستكون تلك المسارات التنسيقية أقوى تأثيرًا في كثير من الحالات، وأكثر فاعلية واستمرارية، بما ستملكه من مرونة تلائم ظروف الأسواق العالمية الراهنة. فهي لن تكون إجبارية كما هو الحال داخل “أوبك”، وإنّما ستنبع من رؤى كلّ دولة لمصالحها وتقديراتها الذاتية للخيارات والأفضليات.

وفي الوقت ذاته، سيكون من المتوقع أن يشهد العالم في المدى المتوسّط “منتديات” تشاورية وصيغًا تنسيقية ابتكارية بين الدول المنتجة للنفط، وربّما مثلها في مختلف أشكال الطاقة، ولاسيّما في مجال الطاقة المتجدّدة والجديدة. وستكون تلك الصيغ مرنة وديناميكية وقابلة للتطور والتبدّل، حسب تقديرات وحسابات كلّ دولة، ووفق السياقَين الزماني والمكاني، اللذين يشهدان هذه الترتيبات؛ ليتبلور في النهاية مشهد عالمي تتفكّك فيه الهياكل الجامدة التقليدية المغلقة التي تقيّد حركة التفاعلات الطاقية والاقتصادية العالمية، ليشهد العالم في المستقبل أكثر من “أوبك”، وليس واحدة فقط.

وعلى أي حال، لا نتوقع في المقابل أن تنهار “أوبك” أو تتفكّك “أوبك بلس”، أو غيرها من الترتيبات النفطية؛ لأن سوق النفط العالمي سيظل بحاجة إلى جهات ضابطة وآلية تنظم تفاعلاته، ولاسيّما في جانب الإنتاج، لكن غاية ما نتوقعه في سوق النفط الدولي أن يصبح خروج دولة الإمارات من المنظمة بمثابة جرس تنبيه للدول الأعضاء نحو أهمية إعادة النظر في قواعد وأسس استمرت لعقود، وها هي التطورات المتلاحقة تثبت ضرورة تطويرها. وبالفعل، بدأت داخل أروقة “أوبك” مداولات فكرية وتنظيمية حول الدلالات والتداعيات المرتبطة بخروج دولة الإمارات من المنظمة، فضلًا عن الأهم؛ وهو كيفية الاستجابة لهذا التطور المفصلي في تاريخ المنظمة وأسواق النفط العالمية([9]).

كما سيظل التداخل العضوي بين الطاقة والتفاعلات بين الدول محور الارتباط الشَّرطي بين استقرار الأوضاع السياسية/ الأمنية إقليميًّا وعالميًّا، وثبات أسواق الطاقة واستقرار الأسعار وتأمين سلاسل التوريد؛ الأمر الذي يؤكد مجدَّدًا ضرورة بل حتمية تصفية بؤر النزاعات والعمل على تسوية المشكلات السياسية وتهدئة نقاط التوتر في الأقاليم المهمة والفائقة الضرورة لأسواق الطاقة العالمية، سواء مناطق الإنتاج أو ممرات الملاحة ومسارات التداول([10]).

واستجابة لضرورة المراجعة ووجود التداخل، لا يُتوقع أن يؤدّي انسحاب دولة الإمارات من “أوبك” إلى قطيعة تامّة مع المنظمة، وانقطاع التواصل والتنسيق مع كبار المنتجين، بمن فيهم منتجو النفط في دول الخليج العربية. وإنّما هو قرار بإعادة التموضع في سوق النفط العالمي، بما يتوافق ومصالح الدولة، ويتسق مع المستجدات المتسارعة. ولا ينصرف بأي حال إلى الانعزال عن تنظيم الاقتصاد العالمي بمختلف آلياته وهياكله.

وفي ضوء ذلك، فإن دولة الإمارات تضرب مثلًا، كبقية دول العالم، في الفكر المتجدّد وإيجاد حلول غير تقليدية لمشكلات أو أوضاع تراكمت عبر عقود، وتداخلت أسبابها التاريخية مع تطورات فرضت نفسها على العالم. ومن هنا تحديدًا، يمكن القول بثقة إن قنوات التواصل بين دولة الإمارات و”أوبك”، لن تنقطع، وسيحرص الطرفان على استمرار التشاور وربّما التنسيق، لكن على أسس أكثر مرونة، ووفق حسابات أكثر تحرّرًا وفاعلية بالضرورة؛ على الأقل من الجانب الإماراتي.

ثالثًا-نحو المستقبل المتوقّع للفاعلين الرئيسيين في أسواق النفط العالمية:

في ضوء المعطيات الراهنة، وإزاء مساعي دولة الإمارات في التعاطي معها بسرعة وفاعلية، نرى تحركات مهمة يتعيّن القيام بها من قِبَل مختلف الأطراف المعنية والفاعلة في أسواق النفط والطاقة، وبمجمل حركة الاقتصاد العالمية في المستقبل القريب أيضًا. وتستشرف النقاط التالية أبرز هذه التحركات التي ستفيد أسواق الطاقة عالميًّا:

  • بصرف النظر عن دوافع الانسحاب الإماراتي ذاته، فإنه يتعيّن على منظمة “أوبك” وتكتل “أوبك بلس” مراجعة أوضاعهما الداخلية، خصوصًا على مستوى قواعد توزيع الحصص، وآلية اتخاذ القرارات، مع أهمية النظر في توسيع دائرة العوامل المأخوذة في الاعتبار عند تحديد مواقف المنظمة وسياساتها التسعيرية خاصة. ولتلك المراجعة أهمية كبرى في المرحلة الراهنة، حيث ستكشف عن أسباب ودوافع ربّما تدفع دولًا أخرى إلى الخروج من المنظمة، بينما يمكن تلافيها أو تلافي تأثيراتها السلبية على الدول المتضرّرة.
  • وبينما لا يُعدّ انسحاب دولة الإمارات الأولَ من نوعه، وفي ظل تكرار حالات التباين في الرؤى واختلاف التقديرات بين أعضاء منظمة “أوبك” وتكتل “أوبك بلس”، فمن المهم تأسيس آلية لإدارة الخلافات أيًّا كان حجمها ومداها، مع وضع ضمانات عملية لامتثال الدول الأعضاء لقرارات المنظمة من دون تمييز. وتساعد هذه العملية على إيجاد مساحة مرنة أمام الدول الأعضاء، يمكن من خلالها الموازنة بين المصالح الوطنية والالتزامات التنظيمية الجماعية. بما يقلّل من فرص اضطرار أي دولة إلى المفاضلة بين اختيارات “حدّية”؛ إما الاستمرار والانصياع الكامل لقرارات تتعارض مع الرؤية الوطنية، أو الانسحاب والخروج من المنظمة نهائيًّا.
  • وفي الوقت ذاته، تحتاج “أوبك”، وغيرها من المنظمات ذات الصلة (أوبك بلس وأوابك)، إلى اكتساب قدر أعلى من المرونة التنظيمية والتشغيلية، والتخلّي قدر المستطاع عن الانغلاق على الدول الأعضاء، والانفتاح على دوائر أوسع وتنظيم حوارات ومشاورات منتظمة مع الأطراف المعنية مباشرة بصناعة النفط، وصولًا إلى أسواق الطاقة المتجدّدة. بما في ذلك الدول المستهلكة ودول العبور، وكذلك مع المنظمات الدولية، سواء ذات الطبيعة الجغرافية الإقليمية، أو الاختصاصات النوعية ذات الصلة.

وختامًا، وفي ظل قدرات استثمارية إماراتية راسخة في قطاع النفط مع طموح إنتاجي يناهز 5 ملايين برميل يوميًّا، فإنّنا نرى أن على المنظمات الدولية الإقليمية والعالمية الانتباه إلى ما في انسحاب دولة بحجم دولة الإمارات وقدراتها من “أوبك” و”أوبك بلس” و”أوابك” من دلالات لجهة تقييم أداء تلك المنظمات، وعمل كشف حساب لمدى نجاحها في تحقيق أهدافها. ولعل ذلك يساعد على تصحيح الأوضاع التنظيمية لها وتطوير آليات عملها؛ بهدف تجنّب تكرار النتائج السلبية والتقصير الناجم عن أوجه الخلل، سواء كانت غير واضحة أو يتم غضّ الطرف عنها؛ وهو أمر من شأنه الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار للنظام العالمي القائم، على الأقل في أطره التنظيمية ومؤسّساته التي توافقت عليها الدول لعقود.


الهوامش:

[1] Axel Pierru, James L. Smith and Hossa Almutairi, OPEC’s Pursuit of Market Stability, Economics of Energy & Environmental Policy Journal, Vol. 9 No. 2, International Association for Energy Economics, 2020.

https://eeep.iaee.org/wp-content/uploads/2026/02/eeep9-2-Pierru-1.pdf

[2] https://www.argaam.com/en/article/articledetail/id/1900270

[3] كتَب معالي يوسف مانع العتيبة، سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، مقالًا في صحيفة “فايننشال تايمز” تناول فيه دواعي اتخاذ قرار الانسحاب من “أوبك”، ونوّه بأنها لم تكن دواعي اقتصادية فقط، وإنما ذات أبعاد متداخلة. انظر:

 https://www.ft.com/content/77f79126-bbf5-4343-90ea-c403c04c5640

[4] The National, UAE’s Exit from OPEC Paves Way for Independent Oil Strategy, 28 April 2026. https://www.thenationalnews.com/business/energy/2026/04/29/uae-opec-exit/

[5] الحواس تقية، الانسحاب من أوبك: رهان الإمارات لتعظيم المكاسب، مركز الجزيرة للدراسات، 30 أبريل 2026.

 https://studies.aljazeera.net/ar/article/6518

[6] Axel Pierru, James L. Smith and Hossa Almutairi, Op. cit.

[7] خروج الإمارات سيضعف نفوذ “أوبك بلس” على سوق النفط، وكالة أنباء “رويترز”، 29 أبريل 2026.

https://www.reuters.com/ar/business/NXDXP4ZQYFMZVIEF75RXLEWEZU-2026-04-28/

[8] https://shorturl.at/wdPG1

[9]” أوبك بلس” تبحث مستقبل سوق النفط بعد انسحاب الإمارات، موقع “الإمارات 71″، 3 مايو2026.

 https://www.uae71.com/posts/121002

[10] صندوق النقد الدولي، مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي.. الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أبريل 2026، ص ص 3-6.

https://www.imf.org/-/media/files/publications/reo/mcd-cca/2026/arabic/text-update.pdf

المواضيع ذات الصلة