Insight Image

تشابك مسارات تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص في البلدان المغاربية

16 أبريل 2026

تشابك مسارات تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص في البلدان المغاربية

16 أبريل 2026

تشابك مسارات تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص في البلدان المغاربية

أولًا: الملخص العربي

تتناول هذه الدراسة التحليلية المقارنة ظاهرة تشابك مسارات تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص في الفضاء المغاربي، منطلقةً من فرضية مفادها أن الحدود الفاصلة بين الظاهرتين ميدانيًّا أصبحت “منطقة رمادية”، تغذيها تحولات جيوسياسية واقتصادية معقدة. تعتمد الدراسة منهجًا نوعيًّا مقارنًا يشمل خمس حالات وطنية (المغرب، موريتانيا، ليبيا، تونس، والجزائر)، لتفكيك آليات تحول المهاجرين من “زبائن” لشبكات التهريب إلى “ضحايا” لاستغلال بنيوي يشمل العمل القسري وعبودية المديونية.

وتكشف النتائج عن بروز أنماط جديدة مثل “التهريب الذاتي” و”التدوير الحدودي”، وسط تباين في فعالية الأطر القانونية والمؤسساتية الوطنية. وتخلص الدراسة إلى أن المقاربات الأمنية المنفردة (الأمننة) لم تحقق نتائج مستدامة، بل أسهمت في إزاحة المسارات نحو مناطق أكثر خطورة، كالمسار الأطلسي. وتوصي الدراسة بضرورة صياغة استراتيجية إقليمية موحدة ترتكز على “الأمن الإنساني”، وتفعيل الاستخبارات المالية لتفكيك شبكات الجريمة المنظمة، مع مأسسة دور المجتمع المدني في حماية الضحايا.

الكلمات المفتاحية: تهريب المهاجرين، الاتجار بالأشخاص، الفضاء المغاربي، الأمن الإنساني، الأمننة، المسار الأطلسي. 

المقدمة:

شكلت ظاهرتا تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص إحدى القضايا الأكثر تعقيدًا في الفضاء المغاربي خلال العقدين الأخيرين. فالتداخل الجغرافي والبشري بين دول المنطقة، وتنوّع مسارات الهجرة غير النظامية، وتحوّل بعض بلدان العبور إلى فضاءات استقبال واستقرار مؤقت، كل ذلك جعل من الظاهرتين شبكتين متداخلتين في آليات التشغيل والأرباح[1]، بل وأحيانًا في الفاعلين أنفسهم[2].

لقد أظهر عدد من الدراسات أن الحدود الفاصلة بين التهريب والاتجار أصبحت رمزية أكثر منها قانونية أو عملية، إذ يبدأ العديد من المهاجرين رحلتهم بوصفهم “زبائن” لشبكات تهريب، لكنهم يتحولون أثناء الطريق إلى ضحايا استغلال أو عبودية مديونية أو عنف جنسي[3].

إشكالية الدراسة: تركز على كيفية تشابك مسارات التهريب والاتجار في البيئة المغاربية، وطبيعة التحديات الأمنية والإنسانية الناتجة عن هذا التداخل البنيوي؛ سعيًا لتقديم قراءة تركيبية تتجاوز السرد الوصفي نحو التحليل الاستراتيجي المدعوم بالمعطيات الميدانية.

القسم الأول: الإطار المفاهيمي ومستويات التشابك

من المعروف أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولين المكمّلين لها (2000) [4]، تُمَيِّزُ بين التهريب (كفعل يسهّل الدخول غير المشروع لدولة ما مقابل منفعة مادية)[5]، وبين الاتجار (كفعل يرتكز على التهديد والقوة بغرض الاستغلال)[6]، بينما تكشف الممارسة الميدانية في المنطقة المغاربية عن “منطقة رمادية” يتقاطع فيها النشاطان عبر ثلاثة مستويات تحليلية:

  1. المستوى البنيوي: حيث تُسهم هشاشة التنمية والفقر في خلق “عرض بشري” مستدام يغذي شبكات الإجرام.
  2. المستوى الشبكي: ويتمثل في مرونة البنيات الإجرامية العابرة للحدود، وقدرتها على التكيف مع السياسات الأمنية، حيث يعمل الوسطاء أنفسهم في المسارين (التهريب والاتجار) وفقًا لفرص الربح.
  3. المستوى الرمزي-الخطابي: ترسيخ سرديات “المهاجر المُهَدَّد”؛ ما يضعف الحماية الاجتماعية للضحايا، ويبرر المقاربات “الأمنية” الصرفة على حساب البُعْد الإنساني.

تعتمد الدراسة منهجًا نوعيًّا مقارنًا، يدمج المؤشرات الكمية بالتحليل البنيوي للحالات الوطنية الخمس، من أجل تفكيك آليات هذا التشابك وتداعياته.

القسم الثاني: التحليل المقارن لتحول ديناميات ومسارات العبور

تستأثر المنطقة المغاربية بثلاثة مسارات رئيسية من المسارات الست الكبرى لتهريب المهاجرين، وتُبرز هذه الخريطة مركزية أهمية هذه المسارات: 

يوضح هذا الجدول دينامية المسارات الكبرى وحركية الهجرة في المجال المغاربي(2025) [7]

التوصيف التحليلي للمسار مؤشر الخطورة والنمو حجم الوصول (الأفراد) المسار / الممر الاستراتيجي
المسار الأكبر والفتاك: يظل مركز الثقل الإقليمي، رغم التشديد الأمني، مع أعلى ضريبة بشرية في المتوسط. 1,340 (وفاة/ فقدان) 66,316 المسار المركزي (نحو إيطاليا)
المسار الصاعد: يمثل “الالتفاف الاستراتيجي” الأهم؛ حيث تحولت ليبيا من بوابة لإيطاليا فقط إلى منصة اختراق نحو شرق المتوسط. +285% (نمو قياسي) 19,857 ممر ليبيا – كريت (نحو اليونان)
مسار متعدد الروافد: انتقال ثقل الانطلاق نحو السواحل الجزائرية (البليار)، ما يعكس تحولًا في جغرافيا “العبور الغربي”. أصبح المسار الأول نحو إسبانيا 19,447 المسار الغربي (نحو إسبانيا)
العقدة الأطلسية: رغم التراجع العددي النسبي، يظل “طريق الموت” الأشد خطورة، مع عودة الزخم في الربع الأخير من السنة. 591 (وفاة موثقة) 17,941 المسار الأطلسي (نحو الكناري)
نقاط الاحتكاك الحرج: مسار ذو حجم أقل لكنه عالي الحساسية السياسية والأمنية، ويمتاز بكثافة “المحاولات الجماعية. 550 منع (أكتوبر وحده) 3,850 (دخول لسبتة) ممر سبتة ومليلية (البري)

أولًا: المغرب: تحولات المسار الأطلسي وتحديات الاستجابة المركبة

1- ديناميكية المسارات وسياقات “الطريق المميت” [8]

شهدت جغرافيا العبور في المغرب تحولًا جذريًّا منذ عام 2018؛ فنتيجة لتشديد الرقابة في الشمال (المتوسط)، انتقل ثقل العمليات نحو المسار الأطلسي” المتجه صوب جزر الكناري. ويُعَدُّ هذا المسار الأشد خطورة عالميًّا، حيث تتركز فيه 95% من وفيات المهاجرين المتجهين لإسبانيا[9]، مسجلًا أرقامًا قياسية في عامي 2023 و2024. هذا التحول لم يغير الإحداثيات الجغرافية فحسب، بل أدخل فاعلين جُدُدًا وشبكاتٍ أكثر عنفًا وتكيُّفًا مع المخاطر البحرية.

2– التشابك البنيوي: من التهريب إلى الاستغلال القسري

 تعمل شبكات التهريب في المغرب وفق هيكلية “عنقودية” مرنة (سماسرة، مزورون، تجار معدات). ويبرز التشابك مع الاتجار بالأشخاص بوضوح في “عبودية المديونية”؛ إذ يتم استغلال المهاجرين الذين فشلوا في العبور أو استنفدوا مواردهم في أعمال قسرية بقطاعات الصيد والزراعة، أو استغلال النساء جنسيًّا لتسديد تكاليف الرحلة[10]، ما يحوّل “الزبون” إلى “ضحية”، في دورة استغلال مغلقة.

3– المقاربة المغربية: موازنة “الأمننة” و”الأنسنة

يُقدم المغرب نموذجًا انتقاليًّا يسعى للمزاوجة بين الضبط الأمني والالتزام الحقوقي، ويتجلى ذلك في مسارين:

أ. المسار التشريعي والإدماجي: عبر قانون 27.14 (2016) المتعلق بالاتجار بالأشخاص، وبرامج تسوية الأوضاع (2014، 2017) التي نقلت المهاجر من خانة “المجرم” إلى “الفاعل التنموي”.

ب. المسار الاستراتيجي: الحفاظ على توازن دقيق بين التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي لحماية الحدود، وبين خطاب رسمي يتبنى “الأمن الإنساني”.

ورغم هذه المكتسبات، تشير تقارير حقوقية إلى أن التحديات تظل قائمة فيما يتعلق بآليات الإحالة القانونية وتوفير الدعم النفسي المتخصص للضحايا[11]، ما يستوجب تطوير منظومة حماية أكثر استجابة لتعقيدات “المسار الأطلسي”.

ثانيًا: موريتانيا: من ممر ثانوي إلى منصة أطلسية محورية

1- تحولات “الطريق الغربي” ومركزية العبور

 تحولت موريتانيا من “نقطة عبور ثانوية” إلى مفصل استراتيجي في الطريق الغربي للهجرة، ومنصة رئيسية للانطلاق نحو جزر الكناري؛ حيث سجل عام 2024 وصولًا قياسيًّا (أكثر من 46 ألف شخص)، كان جزء كبير منهم قد انطلق من السواحل الموريتانية (نواكشوط ونواذيبو). وتتميز هذه المسارات بتعقيد بنيوي ناتج عن وعورة التضاريس وتداخل شبكات تهريب متعددة الجنسيات تدير عمليات “عابرة للحدود” تعتمد على سيولة نقدية غير رسمية [12].

2 “التهريب كنمط عيش، ومنزلقات الاتجار

 يتخذ التهريب في موريتانيا طابعًا سوسيو-اقتصاديًّا، يتسم بـ “التسامح الاجتماعي”، حيث يُنظر إليه كنشاط يوفر دخلًا بديلًا في مناطق حدودية تفتقر إلى التنمية. ويتمثل مكمن الخطر في تحول هذا “الاقتصاد الموازي” إلى اتجار صريح[13]؛ إذ يُجبر المهاجرون (خاصة اللاجئون الماليون) على العمل القسري في قطاعات الصيد أو البناء لتأمين تكاليف العبور، في ظل تداخل شبكات تهريب الأشخاص مع تجارة الوقود والذهب والمخدرات، ما يخلق “اقتصاد ظل” هجينًا يصعب اختراقه أمنيًّا.

3- الفجوة بين الالتزام المؤسساتي والواقع الميداني

 رغم تبني موريتانيا “الخطة الوطنية لمكافحة الاتجار (2024-2026)”، وتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلّا أن الاستجابة تظل محكومة بـ أمننة محدودة الإمكانات.[14]

  • ضعف الأدوات السيادية: تفتقر الدولة لأجهزة متخصصة في التحقيقات المالية المعقدة لشبكات الجريمة، مع غياب قواعد بيانات موحدة لرصد الضحايا.
  • المفارقة التنموية: يظل المقترح الأمني عاجزًا عن مواجهة “جاذبية التهريب”، ما لم يقترن بمقاربة تنموية تخلق فرص عمل بديلة في المجتمعات الحدودية.

تخلص الحالة الموريتانية إلى أن مكافحة الاتجار تتطلب الانتقال من “المراقبة البحرية الصرفة” إلى “تفكيك البنية الاقتصادية للتهريب”، من خلال دمج الأمن الإنساني في صلب السياسات الوطنية.

ثالثًا: ليبيا: مأسسة الاتجار وخصخصة العنف

1- جغرافيا الانكشاف الأمني وتعدد محاور العبور

تحولت ليبيا منذ عام 2011 إلى “مركز جذب” قسري ونقطة ارتكاز كبرى في المنطقة؛ حيث تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى وجود أكثر من 858 ألف مهاجر مطلع عام 2025 (بزيادة 19% عن العام السابق)[15]. وتتوزع هذه الكتلة البشرية عبر محورين استراتيجيين:

  • المحور الجنوبي (سبها-غات): يمثل بوابة الدخول الرئيسية من الساحل والقرن الأفريقي.
  • المحور الساحلي (زوارة-مصراتة-صبراتة): يمثل منصات الانطلاق البحري، حيث تسيطر تشكيلات مسلحة على عملية النقل والاحتجاز.

2- “الاقتصاد الهجين”: الإنسان كأصل تجاري في حروب الوكالة

تجاوزت ليبيا مرحلة “التهريب التقليدي” نحو ما يُعرف بـ مأسسة الاتجار[16]؛ حيث اندمجت شبكات الجريمة ضمن هياكل “هجينة”، تخلط بين عمل الميليشيات والنشاط التجاري. في هذا النظام، يُعامل المهاجر “كأصل مالي “ضمن دورة تمويل الميليشيات عبر:

  • سوق النخاسة الحديثة: بيع وشراء المهاجرين بين المجموعات المسلحة[17].
  • اقتصاد الفدية والابتزاز: تحويل مراكز الاحتجاز إلى وحدات مُدِرَّة للربح عبر تعذيب المهاجرين لابتزاز ذويهم، وهو ما يُحول التهريب إلى اتجار صريح وممنهج[18].

3- المفارقة القانونية و”خصخصة العنف

في ظل انقسام السلطة التنفيذية، يعاني الإطار القانوني من شلل وظيفي أدى إلى ظاهرة خصخصة العنف، وتتجلى في:

  • تآكل السيادة القانونية: رغم وجود نصوص تجرّم الاتجار، إلّا أن تداخل الصلاحيات بين الوزارات والمجموعات المسلحة جعل “قانون القوة” هو السائد، حيث تُدار مراكز الاحتجاز بغطاء رسمي صوري أحيانًا.
  • التسييس الاستراتيجي للملف: يُستخدم المهاجرون “كورقة ضغط” في المفاوضات السياسية الداخلية ومع الاتحاد الأوروبي، ما يعطل أي مساعٍ لإصلاح منظومة الحماية الإنسانية.

تخلص الحالة الليبية إلى أن معالجة الاتجار لا يمكن أن تنجح عبر المقاربات الأمنية التقنية فقط، بل تتطلب “الحد من نفوذ المليشيات المتناحرة، ودمج ملف الهجرة في صلب مسار الاستقرار السياسي الوطني”[19] .

 رابعًا: تونس: تحولات الممر الأوسط، ومفارقة “تجريد الضحية من الإنسانية

تُعَدُّ تونس اليوم المختبر الأكثر تعقيدًا في المنطقة المغاربية لدراسة تحولات الهجرة؛ فموقعها الاستراتيجي قبالة السواحل الإيطالية (جزيرة لامبيدوزا) جعلها القلب النابض لـالمسار الأوسط. ولم يَعُدْ التعامل التونسي مع الظاهرة يقتصر على البُعْد الأمني، بل تطور نحو مقاربة مؤسساتية تحاول استيعاب ضغوط التدفقات غير المسبوقة.

1- مركزية “صفاقس” وبروز أنماط التهريب اللامركزي

انتقل ثقل العمليات اللوجستية لشبكات التهريب بشكل مكثف نحو مدينة صفاقس والمهدية، ما حولهما إلى مراكز تجمع كبرى. وهنا يبرز تطور تقني استراتيجي، يتمثل في التهريب الذاتي ” (Self-smuggling)؛ حيث رصدت السلطات التونسية تزايدًا في محاولات العبور التي تنظمها مجموعات صغيرة من المهاجرين بأنفسهم، عبر شراء قوارب معدنية رخيصة الصنع، ما يضعف سيطرة الشبكات الكبرى التقليدية، ويخلق تحديًا أمنيًّا جديدًا، يتسم بالعشوائية وارتفاع منسوب الخطر البحري.

2- التفاعل المجتمعي وتحولات “البيئة الحاضنة

تتميز الحالة التونسية بتأثير العامل الاقتصادي الداخلي على ملف الهجرة. فمع تزايد الضغوط المالية، انتقلت النظرة المجتمعية للوافدين من “التضامن الإنساني” إلى “التنافس على الموارد المحدودة”. وقد استجابت الحكومة التونسية لهذا التوتر عبر محاولة تنظيم الوجود الأجنبي؛ سعيًا لمنع استغلال المهاجرين في الاقتصاد غير الرسمي، حيث تدرك السلطات أن تهميش المهاجرين قانونيًّا هو “المحرك الأول” الذي يدفعه للارتهان لشبكات الاتجار بالأشخاص للبحث عن مخرج أو وسيلة عيش[20].

3- الريادة التشريعية والنموذج المؤسساتي (القانون 61)

يُسَجَّل لتونس ريادتها الإقليمية باعتماد القانون الأساسي رقم 61 لسنة 2016[21]، والذي يُعَدُّ من أكثر القوانين انسجامًا مع المعايير الدولية. وتتجلى الأدوار الإيجابية للحكومة في:

  • مأسسة الحماية: عبر “الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص”[22]، التي تعمل كذراع تنسيقية بين مختلف الوزارات، وتُصدر تقارير سنوية تتسم بالشفافية في رصد أعداد الضحايا وتصنيفهم.
  • تطوير آليات الإحالة: تَبَنِّي “آلية الإحالة الوطنية”، التي تهدف لضمان حصول ضحية الاتجار على الدعم القانوني والنفسي، بمعزل عن وضعيتها القانونية كمهاجرة، وهو توجه يبرز الرغبة الرسمية في “أنسنة” المقاربة الأمنية.

4- تحديات التوازن بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية

تواجه الدولة في تونس مفارقة صعبة؛ فهي مطالبة بحماية حدودها السيادية والحَدّ من التدفقات نحو أوروبا، وفي الوقت نفسه مطالبة بضمان حقوق الإنسان للآلاف من جنسيات مختلفة. وهنا تبرز جهود الحرس الوطني البحري في عمليات الإنقاذ التي تتم في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، ما يؤكد أن المقاربة التونسية لا تهدف فقط للضبط، بل للحفاظ على الأرواح. ومع ذلك، تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز التعاون الدولي لتقاسم الأعباء، حيث إن تونس لا يمكنها أن تلعب دور “الحارس” أو “المستقر الدائم” دون دعم تنموي موازٍ يعالج جذور الأزمة[23].

خامسًا: الجزائر: فضاء العبور متعدد الطبقات وتحديات حوكمة التدفقات القارية

تمثل الجزائر حالة فريدة في الفضاء المغاربي؛ فهي ليست مجرد بلد عبور، بل هي “دولة ارتكاز” تتحمل العبء الأكبر في إدارة التدفقات القادمة من عمق القارة الأفريقية. وتتجلى المقاربة الجزائرية في المزاوجة بين حماية الأمن القومي والالتزام بمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

1- الامتداد الجغرافي والمسؤولية الأمنية

تتعامل الجزائر مع تَحَدٍّ أمني ولوجستي هائل، يتمثل في تأمين حدود برية تتجاوز 6,500  كلم، تتقاطع مع سبع دول تعاني بعضها من اضطرابات أمنية. هذا الانكشاف جعل من الإقليم الجزائري مَمَرًّا استراتيجيًّا لثلاثة محاور كبرى:

  • المحور الجنوبي (تمنراست – جانت): وهو الشريان الرئيسي القادم من دول الساحل.
  • المحور الشرقي والغربي: اللذان يمثلان نقاط الربط مع ليبيا وتونس والمغرب. وجهود الأجهزة الأمنية تتجاوز مجرد “ضبط الحدود” إلى لعب دور “الدرع الإقليمي” الذي يحد من وصول شبكات الجريمة المنظمة إلى حوض المتوسط.

2- المبادرات التشريعية والجهود الاستباقية في مكافحة الاتجار

أظهرت الدولة الجزائرية إرادة سياسية قوية في ملاحقة شبكات الاتجار بالأشخاص، عبر تحديث منظومتها القانونية، لا سيّما القانون رقم 09-01 وتعديلات قانون العقوبات[24]. وهكذا تم:

  • تفكيك الهياكل التنظيمية للشبكات: من خلال عمليات أمنية نوعية تستهدف الرؤوس المدبرة للتهريب، وليس فقط الوسطاء الصغار، ما يُسهم في تقويض “اقتصاد الظل” الذي يعتمد على استغلال المهاجرين[25].
  • التحقيقات المالية المتخصصة: بدأت الأجهزة الجزائرية في التركيز على تتبع العائدات المالية الإجرامية، وهي خطوة متقدمة تهدف إلى تجفيف منابع تمويل شبكات الاتجار والتهريب.

3- المقاربة الأمنية كضرورة للاستقرار الإقليمي

يجب قراءة المقاربة الجزائرية في سياق “الضرورات الأمنية القصوى”؛ حيث يرتبط ملف الهجرة في الفضاء الصحراوي بتهديدات معقدة تشمل الإرهاب وتهريب السلاح[26]. لذا، فإن عمليات “تنظيم التدفقات” والترحيل التي تقوم بها السلطات تندرج ضمن الآتي:

  • منع الاختراق: حماية النسيج الوطني من تسلل العناصر الإجرامية التي قد تتخفى في ثياب المهاجرين.
  • التعاون الثنائي: تفعيل اللجان الحدودية المشتركة مع دول مثل النيجر ومالي، ما يعكس رغبة الجزائر في إيجاد حلول جذرية للأزمة عبر التنسيق مع دول الجوار.

4- نحو مواءمة المقاربة الزجرية بالحماية الإنسانية

تدرك السلطات الجزائرية حجم التحدي الإنساني في المناطق الحدودية النائية، وتعمل على تطوير آليات للتكفل بالحالات الأكثر هشاشة، لا سيّما النساء والأطفال. ورغم تغليب المنظور “السيادي” في التعامل مع الهجرة غير النظامية، إلّا أن هناك توجهًا مؤسساتيًّا نحو تعزيز التنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية لضمان تصنيف أدق لـضحايا الاتجار، بما يضمن لهم معاملة تتسق مع الالتزامات الدولية للجزائر، مع الحفاظ على صرامة الإجراءات تجاه الشبكات الإجرامية.

القسم الثالث: قراءة تركيبية في مؤشرات التشابك الإقليمي

يكشف الرصد المقارن للحالات الوطنية الخمس عن تباين وظيفي في أدوار الدول المغاربية ضمن خريطة التهريب والاتجار، حيث تتداخل الأرقام الأمنية مع المؤشرات الحقوقية لترسم ملامح “اقتصاد استغلال” عابر للحدود.

جدول تركيبي: ديناميات التشابك في الفضاء المغاربي (2024-2025)

تقييم استنتاجي مؤشرات الاتجار والاستغلال ديناميكية التهريب والعبور الدولة
“الخطر الأقصى: تداخل عضوي بين التهريب، والاحتجاز، والاتجار الممنهج. غياب التقارير الرسمية عن الضحايا، مقابل توثيق أممي لنمط استغلالي منهجي (عمل قسري، عنف جنسي). رصد 761 ألف مهاجر؛ اعتراض وإرجاع 20 ألفًا؛ تسجيل 1,674 ضحية (غرق/ فقدان) في 2024. ليبيا
“الاحتواء الأمني”: من إدارة الأزمة”، إلى “حوكمة الهجرة”. تحديد 524 ضحية اتجار؛ مع تسجيل 61 إدانة قضائية فقط. تراجع محاولات العبور بنسبة 60% في 2024 (56 ألفًا) نتيجة تشديد “الاعتراض والاحتواء”. تونس
مواءمة المقاربة الزجرية بالحماية الإنسانية”. تحديد 139 ضحية (غالبيتهم أجانب)؛ مع ثبات معدلات الإدانة عند مستويات منخفضة. تزايد استخدام “المسار الغربي” بنسبة 27%؛ ترحيل أكثر من 30 ألف مهاجر نحو النيجر. الجزائر
“الضغط والضبط”: مواجهة تدفقات عالية بمنظومة مؤسساتية هي الأكثر تطورًا إقليميًّا. تحديد 229 ضحية مؤكدة عبر آلية الإحالة الوطنية؛ تسجيل 60 إدانة قضائية. إحباط 78,685 محاولة عبور (زيادة 4.6%)؛ تفكيك 177 شبكة إجرامية حتى سبتمبر 2024. المغرب
“المنصة الناشئة: تحول بنيوي من ممر ثانوي إلى عقدة انطلاق رئيسية. تحديد 112 ضحية اتجار (أغلبهم أطفال ونساء)؛ وتسجيل 8 إدانات قضائية فقط. ذروة تاريخية للمسار الأطلسي (47 ألف واصل للكناري بزيادة 18%)؛ انطلاقًا من نواذيبو. موريتانيا

الاستنتاجات الرئيسية للتحليل المقارن:

بناءً على المعطيات أعلاه، يمكن استخلاص ثلاث سمات كبرى تحكم الظاهرة في المنطقة:

  • محورية “المسار الأوسط” وخطورة الحالة الليبية: تظل ليبيا وتونس مركز الثقل الجيوسياسي للأزمة، إلّا أن ليبيا تنفرد بظاهرة “مأسسة الاستغلال”، حيث يتحول المهاجر إلى وحدة مالية في اقتصاد الحرب.
  • الضغط الوظيفي في موريتانيا: يعكس انفجار الأرقام في المسار الأطلسي تحول موريتانيا إلى منصة انطلاق بنيوية، ما يفرض ضغوطًا تفوق قدرة أجهزتها الرقابية والوقائية الحالية.
  • الفعالية المؤسساتية مقابل حجم التحدي: يُظهر التباين بين أعداد الضحايا المحددين والإدانات الصادرة (خاصة في المغرب وتونس) تطورًا في “آليات الرصد”، لكنه يكشف في المقابل عن تعقيد المسارات القضائية وصعوبة ملاحقة الشبكات العابرة للحدود.

ملاحظة منهجية: يجب التعامل مع أرقام الاتجار المسجلة كمؤشر على “كفاءة الكشف” الرسمية وليس فقط كحجم حقيقي للظاهرة؛ فالمعدلات المنخفضة في بعض الدول قد تخفي واقعًا أكثر قتامة؛ إذ قد يكون الانخفاض ناتجًا عن ضعف آليات التحديد والإحالة.

الخاتمة: نحو استراتيجية مغاربية متكاملة للأمن الإنساني

كشفت القراءة المقارنة للحالات الوطنية الخمس أن تشابك مسارات التهريب والاتجار في الفضاء المغاربي لم يَعُدْ مجرد ظاهرة إجرامية عابرة، بل تحول إلى منظومة استغلال بنيوية، تتغذى على الفجوات القانونية والمؤسساتية بين دول المنطقة. وبينما يبرز المغرب وتونس كنموذجين للضبط المؤسساتي المتقدم، تظل ليبيا وموريتانيا والجزائر تمثل جبهات مفتوحة على تحديات سيادية وتنموية، بما يمنح شبكات الجريمة مساحات واسعة للمناورة وإعادة التدوير.

إن الخلاصات الجوهرية لهذه الدراسة تؤكد أن المقاربات “الأمنية” المنفردة قد نجحت في “إزاحة” المسارات (كما حدث في التحول نحو المسار الأطلسي)، لكنها لم تنجح في “تفكيك” الظاهرة. لذا، فإن الانتقال من “أمن الحدود” إلى “الأمن الإنساني” ليس مجرد خيار حقوقي، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها وحدة المصير الجغرافي والاجتماعي لدول المغرب العربي.

التوصيات :

بناءً على نتائج التحليل، تقترح الدراسة حزمة من التدخلات الموجهة لصناع القرار والهيئات الإقليمية:

  1. تطوير “آلية الإحالة الوطنية الموحدة”: ضمان الفصل الإجرائي بين “مكافحة الهجرة” و”حماية الضحايا”، مع تفعيل مبدأ عدم معاقبة الضحية ليشمل المهاجرين الذين تم استغلالهم قسريًّا في مسارات التهريب.
  2. تأسيس “مرصد مغاربي للجريمة المنظمة“: كمنصة إقليمية لتبادل البيانات الفورية وتوحيد منهجيات رصد ضحايا الاتجار، بما يقلص “المناطق الهشة” العابرة للحدود.
  3. تفعيل تبادل المعلومات الاستخبارية المالية: الانتقال من ملاحقة الوسطاء الصغار إلى تجفيف منابع تمويل الشبكات الكبرى، عبر مراقبة التدفقات المالية غير الرسمية المرتبطة باقتصاد التهريب والذهب والوقود.
  4. الاستثمار التنموي في “مناطق التماس“: إطلاق برامج تنموية عابرة للحدود (خاصة في المناطق الجنوبية لموريتانيا والجزائر وليبيا) لخلق بدائل اقتصادية للسكان المحليين الذين يشكلون الحاضنة الاجتماعية لشبكات العبور.
  5. مأسسة الشراكة مع المجتمع المدني: اعتبار الجمعيات المحلية شريكًا في “الإنذار المبكر” والحماية، وتوفير غطاء قانوني لعملها في تقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا دون مخاوف من التجريم.
  6. بناء خطاب إعلامي مضاد: استبدال سردية “المهاجر المُهَدَّد” بخطاب يرتكز على “الكرامة الإنسانية”؛ لتعزيز التماسك المجتمعي ومنع شرعنة العنف أو الاستغلال ضد المهاجرين.

[1] – حسب أرقام الأمم المتحدة تبلغ قيمة الاتجار بالأشخاص سنويا حوالي 32 مليار دولار، وقيمة تهريب المهاجرين حوالي 7 مليارات دولار سنويًّا، www.media.un.org

[2] – المنظمة الدولية للهجرة، تقرير الهجرة في شمال أفريقيا: التحديات والتحولات، تونس، 2023

[3] – المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تقرير حول وضعية المهاجرين وضحايا الاتجار بالأشخاص في المغرب، الرباط، 2023

[4] اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (2000)، بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، نيويورك: الأمم المتحدة.

[5] – المنظمة الدولية للهجرة – المغرب دليل خاص بالتكوين الأساسي، التحرك لمناهضة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، المنظمة الدولية للهجرة، 2010

[6] – المرجع السابق.

[7] – مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، مسارات التهريب والاتجار بالبلدان المغاربية، وجدة، 2025

[8] – المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تقرير حول وضعية المهاجرين وضحايا الاتجار بالبشر في المغرب، الرباط، 2023

[9] – حسب منظمة الإغاثة الإسبانية “كاميناندو فرونتيراس”، فإن عدد الضحايا سنة 2023 بلغ 6007 وفاة في عرض المحيط الأطلسي أثناء محاولة المهاجرين الوصول إلى الأراضي الإسبانية، و1,482 بين 1 يناير و31 مايو2025 حسب آخر تقرير لنفس المنظمة.

[10] – وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، التقرير الوطني حول مكافحة الاتجار بالأشخاص بالمملكة المغربية، الرباط، 2022)

[11] -المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان (المغرب)، التقرير الوطني حول خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان – محور الاتجار بالبشر الرباط، 2023.

[12] – International Organization for Migration (IOM)، North Africa Migration Overview, Geneva, 2023.

[13] – اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان (موريتانيا)، تقرير حول الجهود الوطنية لمكافحة الرق والاتجار بالبشر في موريتانيا، نواكشوط، 2024

[14] – وزارة الداخلية واللامركزية (موريتانيا)، بيان حول تنفيذ الخطة الوطنية لمكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر 2024–2026، نواكشوط، 2024

[15] – International Organization for Migration (IOM)، Displacement Tracking Matrix: North Africa Overview, Geneva, 2023.

[16] Op.cit.

[17] – بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل)، تقرير دوري حول أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا: فصول الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين طرابلس، 2024

[18] – Global Initiative Against Transnational Organized Crime (GI-TOC) , Hybrid Human Smuggling Systems Prove Resilient — Libya, Geneva, 2023.

[19] – Human Rights Watch, World Report 2024: Libya Chapter, New York, 2024.

[20] – الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، التقرير السنوي حول الاتجار بالأشخاص في تونس 2023–2024، تونس.

[21] – وزارة العدل التونسية، الدليل الإجرائي لتطبيق قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص رقم 2016–61، تونس، 2023

[22] – الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، التقرير السنوي حول الاتجار بالأشخاص في تونس 2023–2024، تونس

[23] – Global Initiative Against Transnational Organized Crime (GI-TOC)، Smuggling and Trafficking in North Africa: Intersecting Economies of Exploitation, Geneva, 2023.

[24] – وزارة العدل الجزائرية، تقرير حول جهود الجزائر في مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالأشخاص، الجزائر، 2024

[25] –  وزارة العدل الجزائرية، تقرير حول جهود الجزائر في مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالأشخاص، الجزائر، 2024

[26] – United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC)، Global Report on Trafficking in Persons, Vienna, 2022

المواضيع ذات الصلة