Insight Image

في حوار “تريندز” الاستراتيجي الثاني عشر خبراء إندونيسيون: جاكرتا تتمسك بـ”الحياد النشط” وترفض عسكرة الأزمات حفاظاً على استقرارها الاقتصادي ودورها الدولي

12 مايو 2026

في حوار “تريندز” الاستراتيجي الثاني عشر خبراء إندونيسيون: جاكرتا تتمسك بـ”الحياد النشط” وترفض عسكرة الأزمات حفاظاً على استقرارها الاقتصادي ودورها الدولي

12 مايو 2026

أكد خبراء وأكاديميون إندونيسيون أن موقف جمهورية إندونيسيا من الحرب المرتبطة بإيران وتداعياتها في الشرق الأوسط يستند إلى مقاربة استراتيجية تجمع بين الواقعية البراغماتية والاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، مع الحرص على حماية المصالح الوطنية الإندونيسية، وفي مقدمتها أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد وسلامة سلاسل الإمداد والممرات البحرية الدولية.

جاء ذلك خلال “حوار تريندز الاستراتيجي الثاني عشر” الذي نظمه ” تريندز جلوبال عبر مكتب جاكارتا الافتراضي” التابع لمجموعة تريندز تحت عنوان: “الحرب في الشرق الأوسط: كيف ترى إندونيسيا الأزمة؟”، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء الإندونيسيين المتخصصين في الشؤون السياسية والاستراتيجية والعلاقات الدولية.

وافتتح الحوار الباحث في “تريندز” عيسى المناعي، مؤكداً أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على التكيف مع بيئة دولية مضطربة تتراجع فيها فعالية الأطر متعددة الأطراف، بينما تتصاعد حسابات السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية. وأوضح أن الحرب لم تعد شأناً إقليمياً محدوداً، بل تحولت إلى أزمة ذات تداعيات عالمية تمس أمن الطاقة، واستقرار الممرات الملاحية، وتوازن الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يفسر الاهتمام المتزايد من قوى آسيوية صاعدة، وفي مقدمتها إندونيسيا.

وأشار المناعي إلى أن جاكرتا، باعتبارها أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة، وعضواً فاعلاً في رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، وقوة اقتصادية صاعدة تربطها علاقات متينة بدول المنطقة، نفسها معنية بصورة مباشرة وغير مباشرة بتداعيات الحرب، لا سيما فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة سلاسل التوريد العالمية التي تشكل شرياناً حيوياً لاقتصادها الوطني.

توازن حذر

في مداخلته، أوضح الدكتور محمد ذو الفقار رحمت، مدير مكتب إندونيسيا – الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “سيليوس” (CELIOS)، أن السياسة الإندونيسية تجاه الأزمة تقوم على مفهوم “الحياد النشط” الذي يشكل أحد ثوابت السياسة الخارجية الإندونيسية منذ عقود، موضحاً أن جاكرتا تسعى إلى الحفاظ على استقلال قرارها السياسي مع تجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة بين القوى الدولية والإقليمية.

وأشار إلى أن إندونيسيا تواجه معادلة معقدة؛ فهي لا تستطيع تبني موقف عدائي صريح تجاه إيران بسبب الضغوط السياسية الداخلية وتعاطف قطاعات واسعة من الرأي العام الإسلامي، وفي المقابل لا يمكنها الانحياز الكامل لطهران نظراً لارتباطاتها الاقتصادية العميقة بالاقتصاد الغربي وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وشركائها الدوليين.

وأكد رحمت أن الحكومة الإندونيسية تدرك أن أي تصعيد عسكري واسع في الشرق الأوسط سينعكس مباشرة على أسعار النفط، وتكاليف النقل والشحن، واستقرار الاقتصاد المحلي، لذلك تركز جاكرتا على دعم التهدئة والحلول السياسية والدبلوماسية، مع الدعوة المستمرة إلى وقف التصعيد واحترام سيادة الدول.

وأضاف أن إندونيسيا تسعى إلى لعب دور دبلوماسي أكبر على الساحة الدولية، لكنها لا تزال بحاجة إلى تعزيز أدوات نفوذها وعلاقاتها الإقليمية حتى تتمكن من التحول إلى وسيط أكثر تأثيراً في أزمات الشرق الأوسط.

الرواية الرقمية

من جانبه، تناول الدكتور رضوان حبيب، خبير شؤون الاستخبارات والإرهاب والسياسة والمحاضر في جامعة إندونيسيا، طبيعة التفاعل الشعبي والإعلامي داخل إندونيسيا مع الحرب، مشيراً إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تعكس تعاطفاً، ولكن ليس بالضرورة دعماً سياسياً مباشراً.

وأوضح أن الفضاء الرقمي الإندونيسي يشهد زخماً كبيراً في تداول الروايات المناهضة للسياسات الغربية في الشرق الأوسط، مضيفاً أن الحكومة الإندونيسية تحاول الحفاظ على خطاب متوازن ينسجم مع المزاج الشعبي الداخلي، دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بعلاقاتها الدولية أو بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

الدبلوماسية بدلاً القصف

بدوره، شدد البروفيسور يون محمودي، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر وجنوب شرق آسيا في جامعة إندونيسيا، على أهمية إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار بدلاً من الحلول العسكرية، مؤكداً أن إندونيسيا تؤمن بإمكانية تحويل الخصومات والصراعات إلى فرص للتعاون والشراكة.وأوضح أن جاكرتا تنظر إلى استمرار الحروب في الشرق الأوسط باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً أساسياً لحركة التجارة والطاقة نحو آسيا.

وأكد أن إندونيسيا تتبنى مقاربة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الدعوة إلى تسوية النزاعات عبر الحوار والتفاوض، بعيداً عن منطق القوة والهيمنة العسكرية.

وأضاف أن الرؤية الإندونيسية للأزمة ترتبط أيضاً برغبتها في الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية، وعدم الانجرار إلى محاور دولية متصارعة، في إطار ما وصفه بسياسة “التحوط الاستراتيجي” التي توازن بين العلاقات مع القوى الكبرى دون الانحياز الكامل لأي طرف.

انتقال التضامن

أما الأستاذ أغونغ نورويجويو، المحاضر في قسم العلاقات الدولية بجامعة إندونيسيا، فقد تناول البعد الشعبي والثقافي للأزمة، مقدماً مفهوم “انتقال التضامن”.

وأشار إلى أن إندونيسيا تستحضر اليوم إرث “مؤتمر باندونغ 1955” وروح عدم الانحياز، باعتبارها جزءاً من “الجنوب العالمي” الذي يسعى إلى بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازناً، بعيداً عن هيمنة القوى الكبرى.

وأكد أن جاكرتا ترى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمثل مصلحة إقليمية فحسب، بل يعد ركناً أساسياً من أركان الأمن الاقتصادي والاستراتيجي لآسيا والعالم، خاصة في ظل ارتباط الاقتصاد الإندونيسي الوثيق بحركة التجارة العالمية والطاقة.

دور متصاعد

وفي ختام الحوار، أكدت الباحثة في “تريندز” حصة النعيمي أن المناقشات أظهرت بوضوح أن إندونيسيا تبرز اليوم كقوة موازنة صاعدة تسعى إلى التوفيق بين استقلال

قرارها الوطني والانخراط الإيجابي في القضايا الدولية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

وأوضحت أن المشاركين شددوا على أهمية تعزيز أمن الطاقة عبر تنويع مصادر الإمداد، وتقوية العمل متعدد الأطراف من خلال “آسيان”، ودعم الدبلوماسية الوقائية لحماية الممرات البحرية الدولية وضمان حرية الملاحة.

وأضافت أن الحوار خلص إلى أن التحدي الحقيقي أمام إندونيسيا يتمثل في تحويل التحولات الجيوسياسية العالمية إلى فرص استراتيجية تعزز مكانتها الدولية وتحافظ، في الوقت ذاته، على استقرارها الاقتصادي ومصالحها الوطنية.

وأكد المشاركون، في ختام الحوار، أن “الرسالة الإندونيسية” للعالم واضحة، ومفادها أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية للأمن القومي الآسيوي وللاقتصاد العالمي بأسره.