يشهد الإنتاج المعرفي المعاصر تحولا بنيويا عميقا، لم يعد يسمح بفهمه ضمن الأطر التقليدية التي قامت على الفصل بين الحقول والتخصصات. فقد بات واضحًا أن المعرفة لم تعد موزّعة ضمن مجالات مستقلة، بل نتجه نحو بناء منظومات تحليلية متداخلة، تتقاطع فيها العلوم الاجتماعية مع العلوم التقنية، وتلتقي فيها المقاربات الجيوسياسية مع دراسات الثقافة والهوية، كما تتشابك فيها دراسات التعليم العالي مع الجغرافيا الاقتصادية، ضمن ديناميات تعكس تعقيد العالم المعاصر وتسارعه. وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن مقاربة الظواهر الكبرى مثل التحولات التكنولوجية أو إعادة تشكيل النظام الدولي من خلال منظور أحادي، بل أصبح من الضروري اعتماد مقاربات متعددة المستويات، قادرة على استيعاب هذا التداخل البنيوي بين المعرفة والواقع.
ومن خلال هذا التحول، تتبلور ملامح مرحلة جديدة يمكن توصيفها ب التحول الإبستمولوجي المركب”، حيث لم تعد المعرفة تنتج فقط بغرض الفهم والتفسير، بل أصبحت أداة استراتيجية تستخدم في إدارة العالم والتأثير في مساراته فالمعرفة اليوم لم تعد حيادية أو خارجية عن مراكز القرار، بل باتت جزءًا من آليات السلطة، ومكونا أساسيا في صياغة السياسات، وتوجيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى إعادة تعريف التوازنات الجيوسياسية. ومن هنا، فإن التحول في طبيعة الإنتاج المعرفي يعكس في جوهره تحولا أعمق في العلاقة بين الفكر والسلطة، حيث تتقاطع المعرفة مع القوة في إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة أو الفاعلية. ويعكس تنوع الأعمال التي يتناولها هذا العدد هذا التحول بوضوح، إذ تتوزع الأعمال ضمن بنية تحليلية تقوم على ثلاثة محاور كبرى تتكامل فيما بينها لتقديم قراءة شاملة للتحولات الجارية، دون أن تكون هذه المحاور منفصلة، بل هي متداخلة ضمن إطار معرفي أوسع يتمثل المحور الأول في إعادة تعريف دور المؤسسات المعرفية، وعلى رأسها الجامعات التي لم تعد تفهم بوصفها فضاءات مغلقة لإنتاج المعرفة النظرية، بل كفاعلين مركزيين في تشكيل الاقتصاد المعرفي. وفي إنتاج القيمة داخل الأقاليم. وفي بناء شبكات الابتكار العابرة للحدود. وفي هذا السياق، لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت عقدة مركزية ضمن شبكات معقدة تربط بين البحث العلمي والسياسات العمومية والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.