التقارير

رؤى فرانكوفونية – العدد(10)

مكتب تريندز الافتراضي في فرنسا

يصدر هذا العدد في لحظة تاريخية تتسم بتسارع غير مسبوق في التحولات العلمية والتكنولوجية، وتزايد حدة التنافس الجيوسياسي. وإعادة تشكيل عميقة لمفاهيم السيادة، والهوية، والشرعية في النظام الدولي. ولم يعد بالإمكان فهم هذه التحولات من خلال أدوات التحليل التقليدية التي تفصل بين مجالات المعرفة، بل أصبح من الضروري اعتماد مقاربات تركيبية تأخذ في الحسبان تداخل البيولوجي بالسياسي. والاقتصادي بالرمزي، والتقني بالاجتماعي. وفي هذا السياق، يطرح هذا العدد إشكالية مركزية تتمثل في العلاقة المتغيرة بين المعرفة والسلطة، ليس فقط بوصفها علاقة تأثير متبادل، بل كمنظومة اندماجية تتشكل داخلها أنماط جديدة من القوة.

لقد شهد العالم، خلال العقود الأخيرة انتقالا نوعيا من اقتصاد يقوم على الموارد المادية إلى اقتصاد معرفي، تصبح فيه البيانات والخوارزميات والمعلومات العلمية موارد استراتيجية ذات قيمة عالية. غير أن هذا التحول لم يقتصر على المجال الاقتصادي، بل امتد ليشمل البنية العميقة للسلطة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالقدرة على السيطرة على الأرض أو الموارد، بل بالقدرة كذلك على إنتاج المعرفة، والتحكم في تدفقها. وتوجيه استخدامها. ومن هنا، فإننا نعيش فيما يمكن تسميته بـ “عصر التمفصل بين الإبستمولوجيا والجيوسياسة”، حيث تصبح المعرفة نفسها ساحة للصراع، وأداة لإعادة تشكيل موازين القوى.

في هذا الإطار، يأتي الملف الأول حول الحمض النووي بين العلم والسلطة ليكشف عن أحد أكثر تجليات هذا التحول عمقا، حيث لم يعد الجينوم مجرد موضوع للبحث البيولوجي، بل أصبح مجالا تتقاطع فيه أسئلة الهوية، والتكنولوجيا، والأخلاق، والسيادة. فالتقدم في علوم الجينوم وخاصة في مجالات مثل الإبجينوم والهندسة الجينية، لم يقتصر على توسيع معرفتنا بالحياة، بل أتاح إمكانية التدخل المباشر في بنيتها، مما يضع الإنسان في موقع غير مسبوق، بوصفه فاعلا قادرًا على “إعادة كتابة الحياة”. هذا التحول يعيد طرح أسئلة إبستمولوجية حول طبيعة المعرفة العلمية وحدودها، كما يثير إشكاليات سياسية تتعلق بمن يمتلك هذه المعرفة وكيف تستخدم، ولأي غايات.