Insight Image

أزمة مالي.. وتداعياتها على الدول المغاربية

31 مايو 2026

أزمة مالي.. وتداعياتها على الدول المغاربية

31 مايو 2026

أزمة مالي.. وتداعياتها على الدول المغاربية

قُتل أكثر من 30 شخصًا في هجومين متزامنين استهدفا وسط مالي، الأربعاء 6 مايو2026[1]، و أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤوليتها عن العمليتين، ويأتي هذا التصعيد الأخير بعد أيام فقط من هجمات الخامس والعشرين من أبريل 2026، وهو الحدث الذي تحول على إثره المشهد الأمني في الساحل من أزمة مزمنة متفاقمة إلى زلزال جيوسياسي بامتدادات إقليمية لم تشهد منطقة غرب أفريقيا لها مثيلًا منذ الإطاحة بالسلطة المنتخبة عام 2012، فقد شنّ تحالف غير مسبوق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين(JNIM) وجبهة تحرير أزواد الطوارقية (FLA) أكبر هجوم منسّق في تاريخ البلاد، مستهدفًا في وقت واحد ستّ مدن كبرى، موقعًا وزير الدفاع الجنرال سادو كمارا قتيلًا، ومجبرًا رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا على الإجلاء إلى معسكر مجهول الموقع.

تسعى هذه الورقة إلى تحليل البنية العميقة للأزمة وتفكيكها لفهم التشابكات التي تجعلها حدثًا مغاربيًّا بامتياز، لا مجرد شأنٍ ماليٍّ داخلي. وتنتهي إلى أن الأزمة المالية ليست ساحة معركة بين فصائل متناحرة، بل مرآة تعكس محدودية قدرة المنظومة المغاربية ككل على الانخراط بشكل فعال في حل الأزمة في مالي، رغم أنها تمتلك من الأدوات والإمكانات ما يكفي لذلك.

المحور الأول: قراءة في بنية الأزمة المالية

أولًا: السياق التراكمي وصولًا إلى 25 أبريل 2026

لا يمكن عزل هجوم 25 أبريل 2026 عن مسار متراكم امتد لأربع عشرة سنة، تتابعت فيه الأزمات في منطق تراكم بنيوي لم يُدرك أحد مداه الحقيقي في حينه؛ فمنذ أن سقط الشمال المالي عام 2012 في يد تحالف الطوارق والجهاديين – كاشفًا هشاشة الدولة المالية بشكل واضح وجلي – والمنطقة تعيش على إيقاع ما يمكن أن نسميه “إدارة الأزمة” لا حلها.

جاء التدخل الفرنسي عام 2013 في إطار عملية سيرفال ليوقف المد الجهادي نحو الجنوب، لكنه لم يعالج جذور الأزمة التي ظلت كامنة تحت سطح الاستقرار المؤقت، وكانت اتفاقية الجزائر للسلام عام 2015 محاولة دبلوماسية طموحة، غير أنها اصطدمت بواقع تنصل بعض الأطراف من الالتزام ببنودها، وحين تتابعت انقلابات رئيس المجلس العسكري الحالي الحاكم أسيمي غويتا في 2020 و2021، كان الإطار المألوف قد تبدّل تبدلًا جوهريًّا، فرنسا انسحبت أو طُلب منها الخروج من مالي، وروسيا تدخل من باب فاغنر بوعود الأمن السريع.

 غير أن معركة تين زاواتين عام 2024 كشفت أن هذا الوعد لم يكن إلا فقاعة؛ إذ مني الفيلق الروسي بهزيمة كادت تُعيد رسم موازين القوى الميدانية، ولم يكن حصار الوقود على باماكو في سبتمبر 2025 إلا اختبارًا أثبتت فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قدرتها على شلّ عصب الحياة في العاصمة، قبل أن يُكشف الستار عن الفصل الكامل في أبريل 2026.

ثانيًا: طبيعة وأبعاد الهجوم الأخير

لم يكن ما وقع فجر 25 أبريل مجرد هجوم، بل كان عملية عسكرية منسقة وشاملة، فقبيل الساعة الخامسة وعشرين دقيقة صباحًا، انطلقت ستّ موجات متزامنة من الهجمات في نقاط جغرافية متباعدة، من كاتي على مشارف العاصمة حتى كيدال في أقصى الشمال، مرورًا بغاو وسيفاري ومبتي والمطار الدولي في باماكو، هذا التزامن كان في حدّ ذاته رسالة: فهو يثبت أن العملية هي نتاج تخطيط مسبق ودقيق استغرق أشهرًا، وأن المنظومة الاستخباراتية للمجلس العسكري وحليفه الروسي فوجئا بالعملية.

وكانت الخسائر القيادية هي الأشد وقعًا على الصعيد الرمزي من مقتل وزير الدفاع الجنرال سادو كمارا في منزله بكاتي مع عائلته، وإصابة رئيس الاستخبارات مودبو كوني ورئيس الأركان عمر ديارا، وإسقاط مروحية عسكرية روسية تابعة للفيلق الروسي فوق غاو، وقتل طاقمها، كما أثار إجلاء رئيس المجلس العسكري الحاكم أسيمي غويتا إلى مكان مجهول دون أي ظهور علني لأيام متواصلة، موجة من التأويلات ظلت تتردد أصداؤها في أروقة العواصم الدولية، لم تتوقف إلا بظهوره الأخير[2].

ثالثًا: البراغماتية التكتيكية في تحالف المهاجمين

يُشكل “تحالف المهاجمين” المفارقة المركزية في قلب هذا الحدث التي تستحق الوقوف والتأمل، فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد حركتان تقومان على رؤيتين متناقضتين في جوهرهما، الأولى جهادية دينية ترفض كل الأطر القانونية الدولية، وتسعى إلى إقامة دولة إسلامية في الساحل، والثانية قومية انفصالية علمانية تسعى إلى حكم ذاتي لإقليم أزواد، وما يجمعهما ليس أيديولوجيا مشتركة ولا استراتيجية حربية، بل هدف تكتيكي واحد هو إضعاف المجلس العسكري في باماكو وإثبات هشاشة الدولة.

هذا التحالف البراغماتي هو بالضبط ما كان المراقبون يخشون تبلوره، لأنه يضاعف القدرة الهجومية لكلا الطرفين دون أن يُلزمهما بمشروع سياسي مشترك، أو التزام ميداني موحد على المدى البعيد، وهو ما يجعل أي ترتيب لما بعد المعركة بالغ التعقيد؛ فالشريكان الراهنان سيكونان خصمين محتملين في أول استحقاق سياسي يلي المرحلة الحالية.

رابعًا: عجز الشريك الروسي عن صدّ الهجوم

لا يمكن تجاوز الدلالة الاستراتيجية لفشل الفيلق الأفريقي في صدّ الهجوم، فقد بُني الوجود الروسي في مالي على وعد واضح بتوفير أمن لم تستطع فرنسا ولا الأمم المتحدة تحقيقه، وحين يعجز هذا الفيلق عن حماية مقرّ القيادة ومنازل كبار المسؤولين، فإنه لا يفشل ميدانيًّا فحسب، بل يُسقط الأساس الذي يُبرر كل ترتيبات الشراكة بين مالي وروسيا، لأن هذا الإخفاق الميداني الصريح، الناجم عن الإخفاق الاستخباراتي وهو الأشد إيلامًا لأي جهاز أمني، يأتي في سياق يُثبت أن الانشغال الروسي المتزايد بالأزمة الأوكرانية بات يؤثر على دورها في الساحل بشكل واضح تمامًا.

ولعلّ الأكثر دلالة في هذا السياق أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تكتفِ بالانتصار الميداني، بل أرسلت رسالة دبلوماسية دقيقة لموسكو، في بيان صادر عنها، تدعوها إلى “الابتعاد عن النزاع لضمان علاقات مستقبلية مستقرة” وهي في حقيقتها دعوة لإعادة التموضع، لا تهديدًا خطابيًّا كما يمكن تفسيره.

المحور الثاني: تحليل خريطة الفاعلين

إن قراءة الأزمة المالية تثبت أنها ليست نزاعًا داخليًّا تتشابك فيه أطراف محلية فقط، بل إن مالي هي ساحة تتقاطع فيها مصالح ثلاثة مستويات من الفاعلين: المحلي والإقليمي والدولي وأي قراءة تغفل أحد هذه المستويات تظل قاصرة عن استيعاب المشهد في تعقيده الحقيقي.

أولًا: الفاعلون المحليون

1- المجلس العسكري في باماكو

بات المجلس العسكري الحاكم في مالي، الذي علق شرعيته على وعد واحد هو إعادة الأمن للبلاد، يواجه معادلة صعبة، بعد أن تبخر الوعد تحت وقع الهجوم المباغت، ومقتل وزير الدفاع في منزله، واختراق مقر القيادة، وإجلاء الرئيس إلى مكان مجهول، وهذه ليست مجرد انتكاسات ميدانية عارضة، بل ضربات في قلب السردية التأسيسية التي أضفى بها انقلاب غويتا الأول في أغسطس 2020 والثاني في مايو 2021 مشروعيتهما السياسية.

 ورغم أنه حاول إظهار نفسه بوصفه قوةً مسيطرة على الوضع، فإن الواقع الميداني في الشمال يعكس صورة مختلفة بعدما خرجت مدن استراتيجية مثل كيدال وتيساليت وأغلهوك عن سيطرة الدولة، وأصبحت تحت نفوذ “جبهة تحرير أزواد“. كما ظهرت مؤشرات على أن المجموعة العسكرية ربما بدأت تعرف تصدعات داخلية، ولاسيما أن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا في الهجوم الأخير الذي شنّه الطوارق لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل شكّل نقطة تحول استغلها غويتا لتوسيع نفوذه عبر توليه حقيبة الدفاع، ما ينذر بمرحلة من الحكم الفردي وتشديد القبضة الأمنية[3].

2- جبهة تحرير أزواد

 في نوفمبر 2024 أعلنت فصائل عدة من أهمها الحركة الوطنية لتحرير أزواد (الطوارق)، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية وغيرها عن إنشاء كيان جديد هو جبهة تحرير أزواد، ليمثل كيانًا جامعًا للمكونات السابقة، بقيادة العباس أغ إنتالا، ليكون هذا الكيان الجديد منصّة سياسية عسكرية جديدة تُعيد طرح مطلب تقرير المصير، وذلك في معقله التاريخي مدينة كيدال.

ويُنظر إلى مشاركة “جبهة تحرير أزواد” في هذه الهجمات على أنها كانت بدافع الانتقام الرمزي لخسارة كيدال عام 2023 وهي خسارة كانت بمثابة الإهانة الكبرى للحركة القومية الطوارقية، ولذلك فبالسعي لاستعادة المدينة فإن الحركة تحاول إعادة رسم صورتها أمام قاعدتها الشعبية بوصفها لازالت فاعلة في الميدان، وتُعيد توجيه بوصلتها السياسية، أما تحالفها مع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” فهو براغماتي بحت، وسيظهر التناقض الجوهري بينهما عند أول ترتيب سياسي.

3- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

وهي الفرع الساحلي لتنظيم القاعدة، تأسست عام 2017 باندماج أربع جماعات. وهي أكثر التنظيمات نشاطًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وتسعى إلى إقامة دولة إسلامية في الساحل، وطرد القوى الأجنبية، وتمول نشاطها عبر التهريب والخطف مقابل الفدية.

 تبدو هذه الجماعة وكأنها تتصرف وفق النموذج القتالي الذي يُميز المجموعات المسلحة التقليدية؛ فحصار الوقود على باماكو في 2025، ثم الهجوم الشامل في 2026، يمكن قراءتهما معًا بوصفهما خطوتين في استراتيجية واضحة تهدف إلى عزل المدن الكبرى أولًا ثمّ اقتحامها لاحقًا، وهو نموذج تسعى الجماعة إلى تعزيزه بتسجيل حضور دائم في المناطق الحضرية، والتوسّع جنوبًا نحو ساحل خليج غينيا.

ثانيًا: الفاعلون الإقليميون

1- تحالف بوركينا فاسو والنيجر

يقفُ “تحالف دول الساحل” في موقف حرج بامتياز؛ فالالتزامات الدفاعية المشتركة لكل من بوركينافاسو والنيجر مع حليفتهما مالي من جهة، وطلب جبهة تحرير أزواد الصريح لهما بعدم التدخل من جهة أخرى، وتوقف البلدين عند حدّ التنديد هو في حدّ ذاته موقف سياسي يقترب من التخلي عن الحليف المالي، مع ما ينطوي عليه ذلك من خلخلة لشرعية هذا التحالف الثلاثي الذي بنى مشروعيته على خطاب السيادة والتضامن.

2-  الجوار الجنوبي خطّ الإمداد يتحول إلى جبهة جديدة

مالي دولة حبيسة لا منفذ لها على البحر، وتعتمد بشكل كبيـر على ممرَّي الإمداد القادمَين من السنغال وكوت ديفوار في نقل ما يقارب 95 بالمئة من وارداتها النفطية، والسنغال تربطها بمالي علاقة تبادلية اقتصادية عميقة، ولا تستطيع البقاء في موقف المتفرج، ولذلك تعتبر المؤهل للعب دور أكبر في حلّ الأزمة.

في حين تجد كوت ديفوار نفسها في وضع بالغ الحرج: فهي عضو فعال في منظمة الإكواس ولا تستطيع دعم الجماعة الحاكمة في مالي علنًا، والتي أعلنت القطيعة مع المنظمة، وفي الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل أن فوضى مالي تغذي الجماعات المسلحة التي تستهدف شمالها مباشرة، كما أن اقتصادها مرتبط بحرية التجارة مع مالي التي يهددها الحصار الجهادي.

ثالثًا: الفاعلون الدوليون

1. روسياالشريك المترنّح

تحوّل الحضور الروسي في مالي من مجموعة فاغنر الخاصة إلى الفيلق الروسي؛ باعتباره منظمة تحت السيطرة المباشرة لوزارة الدفاع الروسية، والتي يظهر أن مصالحها في مالي مزدوجة؛ تتمثل في امتيازات التعدين (الذهب والليثيوم…) من جهة، والحفاظ على موطئ قدم جيوسياسي بمنطقة الساحل في مواجهة الغرب من جهة أخرى، لكن يبدو أن الجبهة الأوكرانية أصبحت تستنزف روسيا بشكل متصاعد، وتحدّ من قدراتها على التحرك الميداني في أفريقيا.

إذ تجد روسيا نفسها في مأزق مزدوج؛ فمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في الساحل تقتضي الحضور القوي، لكن جبهة أوكرانيا المستنزِفة لقوتها تجعل تركيز الاهتمام على مالي أمرًا غير متاح، وهذا التناقض هو الثغرة التي تراهن عليها فرنسا التي تم إجلاؤها بين 2022 و2023، والتي ترى في فشل النموذج الأمني الروسي نافذة للعودة، ربما بشروط أكثر تواضعًا مما كانت تقبله في السابق.

2. الأمم المتحدة والمجتمع الدولي

دأب الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش على الدعوة إلى حشد الدعم الدولي وتنسيقه لمواجهة تهديدات التطرف العنيف المتنامي في منطقة الساحل[4]، لكن غياب قوات الأمم المتحدة الميداني منذ سحب (MINUSMA) يُضيّق هامش الهيئة الأممية على المناورة هناك.

والواضح أنه لا يوجد في هذه الأزمة أي طرف يمتلك القدرة الكاملة على فرض الحل وحده، وهذا التشظي على مستوى القوى المتدخلة في الشأن المالي هو في حدّ ذاته أحد أخطر عوامل استمرار الأزمة، ما يجعل أي مبادرة لفرض السلام بمالي رهينة لتوافق الأطراف كلها.

المحور الثالث :التشابكات الجيوسياسية الكبرى

تتشابك الأزمة المالية وتلقي بآثارها وتداعياتها بشكل مباشر على الجوار الجنوبي والجوار المغاربي.

1. أثر الدومينو: الجوار الجنوبي في مرمى الأزمة

تمتدّ تداعيات الأزمة المالية نحو محيط أشمل وفق ما يمكن وصفه بـ”أثر الدومينو”، فبوركينا فاسو تخشى أن يُشجّع نجاح جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي جماعاتها المسلحة على تصعيد مماثل، والنيجر التي تجد مجموعتها العسكرية الحاكمة نفسها في موقف محرج أمام شريكها في التحالف، والدول الساحلية الجنوبية – توغو وبنين وغانا – بدأ ت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ترسّخ فيها حضورًا مقلقًا ومتصاعدًا.

وقد يؤدي جلاء القوات المالية والروسية من كيدال وبير وإنتاهاكا وتيسيت في منطقة غاو. إلى تدهور كبير للأوضاع هناك، وأفادت تقارير متعددة بأن القوات الروسية تتفاوض على الانسحاب أيضًا من قواعدها قرب مدينة غاو وتيساليت.

وبالفعل في 27 أبريل 2026، انسحبت القوات المالية والروسية من لابيزانغا على الحدود المالية-النيجرية، وسارع تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، إلى احتلالها، وبدأ في حشد قواته حول عاصمة منطقة ميناكا. الأمر الذي يُؤكد أن الفراغ الأمني في شمال مالي يرفع من خطر تنامي تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وإن كان يزيد من احتمال نشوب اقتتال داخلي بين النصرة وولاية الساحل على النفوذ في المناطق التي انسحبت منها القوات الحكومية وحليفها الروسي فإنه لا يستثني إمكانية تفاهمها على الهدنة في ظل حاجتهما المشتركة لقتال العدو المشترك، وهذا المتغير الجديد قد يُضيف طبقة إضافية من التعقيد على الأزمة.

2. نهاية الهيمنة الروسية في الساحل؟

النكسة التي مني بها الفيلق الروسي هي حدث استراتيجي يتجاوز أبعاده الميدانية؛ وأصبح محكًّا حقيقيًّا لهذا النموذج في أفريقيا في مواجهة تهديد منظَّم وذي حجم كبير لم يستطع احتواءَه، بل إن هذا الإخفاق الميداني يُثبت أن الجبهة الأوكرانية المستنزِفة أصبحت متغيرًا فعليًّا في معادلة القدرات الروسية الأفريقية حيث ظهرت مؤشرات عدة على أن أوكرانيا ربما تقدم الدعم التقني في مجال الطائرات المسيرة لحركة تحرير أزواد بهدف استنزاف القوات الروسية. كما أن الإخفاق الاستخباراتي يكشف محدودية قدرة الحضور الروسي على الاندماج في البيئة المحلية رغم سنوات من الوجود.

وإذا كان إعلان نهاية الهيمنة الروسية في الساحل أمرًا سابقًا لأوانه، فإن الحديث عن تراجعها الميداني هو واقع جديد قد يفتح نافذة حقيقية أمام القوى الغربية والإقليمية للعودة بشروط تفاوضية مختلفة.

التداعيات الإقليمية على البلدان المغاربية

1. الجزائر العمق الاستراتيجي المقيّد

تتقاسم الجزائر ومالي حدودًا مشتركة تمتد لنحو 1374 كيلومترًا عبر منطقة صحراوية نائية تشكل منذ عقود قاعدة عمليات للمجموعات المسلحة الموجودة هناك، هذا الشريط ليس مجرد خط على الخريطة، بل هو في الواقع ممر للتهريب بكل أوجهه (أسلحة ومخدرات ومهاجرون..) ونقطة اختراق أمني تمنح المسلحين ملاذًا آمنًا عابرًا للحدود، فضلًا عن عدّه شريانًا اقتصاديًّا يربط المنشآت النفطية والغازية الجزائرية الجنوبية بمحيط يزداد اضطرابًا[5].

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية في مالي، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. واعتبرت الجزائر، التي ترأس «اللجنة الدولية» المكلفة بتنفيذ الاتفاق، هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة المالية. وما زاد من التوتر إسقاط الجزائر لطائرة مسيرة للجيش المالي في 31 مارس 2025، وذلك خلال محاولتها قصف منطقة تين زواتين بعد اجتيازها الحدود الجزائرية ما أوصل العلاقة بين الدولتين إلى قطيعة كاملة لازالت مستمرة.

وتبدو الجزائر في موقف بالغ الحرج، فهي الدولة الأكثر تضرّرًا، كما أنها عاجزة عن التدخل بسبب القطيعة الدبلوماسية التي تراكمت مع باماكو على مدار سنوات، ما يُضعف هامش المناورة لديها، وهذا هو المأزق الذي يقيد عمقها الاستراتيجي بامتياز.

2. موريتانيا الخاصرة الهشّة

تعتبر موريتانيا الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة المالية فالحدود الصحراوية الممتدة 2200 كيلومتر تحتاج إلى قدرات أمنية واستخباراتية تتجاوز بكثير إمكانيات نواكشوط؛ والمجتمعات الحدودية التي تتداخل إثنيًّا واجتماعيًّا مع الجانب المالي تُعقّد عملية التمييز بين اللاجئ والمسلح تعقيدًا حقيقيًّا، كما أن احتمال تدفق موجات اللاجئين سيزيد الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا من شحّ الموارد. وفي المقابل، تمتلك موريتانيا ورقة نادرة تتمثل في علاقاتها الجيدة مع جميع أطراف النزاع؛ الأمر الذي قد يحولها إلى وسيط محتمل وجسر بين الجزائر وتحالف دول الساحل. وهو دور يفوق قدرات نواكشوط الراهنة لكنه يظلّ ممكنًا بدعم دولي ملائم.

3. المغرب: الاستثناء الحذر

يراقب المغرب المشهد بهدوء حذر؛ فتحول الموقف المالي قبيل الهجوم نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية وسحب اعترافها بـــ”الجمهورية الصحراوية”، يعتبر مكسبًا دبلوماسيًّا وازنًا يمنح الرباط أوراقًا إضافية في ملف الصحراء، هذا الموقف أطلق سلسلة من التداعيات لعل أبرزها تحسين الموقف المغربي في المنظومة الأفريقية، ودافعًا للمغرب لدعم انخراطه في منطقة الساحل، والذي تجسده مبادرة ربط دول الساحل الوسطى غير الساحلية بالمحيط الأطلسي التي كان قد أعلنها في سبتمبر2023.

 وقد يدفع ضعف المجلس العسكري المغرب إلى تعزيز دعمه لباماكو بوصفه ورقة تحالف دبلوماسي، غير أن المصالح المغربية قد تتعرض إلى مخاطر عكسية؛ فتمدد الفوضى قد يُلحق أضرارًا حقيقية بالاستثمارات المغربية المتنامية في غرب أفريقيا، وقد تعرضت بعض المصالح المغربية بالفعل للخطر حينما أقدم مسلحون تابعون لحركة ماسينا “حركة تحرير الفلان” المتحالفة مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المتطرفة، الأربعاء 6مايو 2026، على إحراق شاحنات مغربية، كانت في طريقها لتزويد مالي بالمواد الغذائية والمؤن.[6]

4. تونس، التهديد البعيد الصامت

رغم البعد الجغرافي النسبي، تبقى تونس معرضة لتداعيات الأزمة المالية عبر مسارين متمايزين: الأول مسار الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، حيث قد تستلهم الخلايا النائمة ما تعده “انتصارًا” في مالي لتعود إلى النشاط والعمل من جديد في البيئة التونسية؛ والثاني مسار التهريب عبر ليبيا التي تمثل – في غياب أي حوكمة حدودية فعّالة – ممرًّا لوجستيًّا مفتوحًا بين مالي ومنطقة البحر المتوسط، وقد بدت الاتفاقية الأمنية الجزائرية-التونسية الموقَّعة في أكتوبر 2025 وكأنها استباق واعٍ لهذا التحدي، وإن كانت تبقى في مرتبة التنسيق الاستخباراتي لا الاستجابة الميدانية الكاملة.

5. ليبيا الجسر اللوجستي الهش

تمثل ليبيا تحديدًا المتغير الأصعب في هذه المعادلة؛ دولة مفككة بلا سلطة مركزية، تمتد حدودها 4000 كيلومتر مع الجوار الأفريقي. وفي هذا الفراغ، تتحول ليبيا إلى ممرّ لوجستي للأسلحة والمقاتلين بين الساحل ومنطقة البحر المتوسط، وبيئة حاضنة للجماعات الباحثة عن ملاذ حين يشتدّ الضغط من الجنوب، وساحة تتنافس فيها أجندات دولية وإقليمية متعددة، وتتقاطع مساراتها مع ديناميات الأزمة المالية.

المحور الرابع: السيناريوهات الاستشرافية

تلوح في الأفق ثلاثة سيناريوهات محتملة لهذه الأزمة بناءً على المعطيات الراهنة:

السيناريو الأول: العودة إلى طاولة المفاوضات

يبدو هذا السيناريو أنه الأفضل لمالي والمنطقة لكنه الأصعب تحقيقًا، فمسار سلام جديد يمكنه أن يُعيد جمع كل الأطراف في إطار اتفاق أكثر واقعية من اتفاقية 2015، بضغط غربي متصاعد، وانخراطٍ جزائري كامل، ووساطة أفريقية تؤطرها الأمم المتحدة مع تفاهمات إقليمية وتنسيق مغاربي مناسب. كما يُحفز تحقيق هذا السيناريو مصاحبته بإجراءات أخرى من الدول المغاربية، مثل:

  • تفعيل آليات التنسيق الأمني الحدودي الجزائري-الموريتاني، وهو أحد الأمور الأكثر إلحاحًا وأولوية.
  • انخراط مغاربي في أي مبادرة أفريقية أو دولية للوساطة دون شروط مسبقة.

السيناريو الثاني: الانهيار التام والفوضى الشاملة

يبقى هذا السيناريو محتمل الوقوع بصورة متوسطة في حال تسارع التفكك وغياب أي استجابة إقليمية حقيقية، وتتمثل مؤشراته في استمرار الفراغ الأمني، وغياب التنسيق الإقليمي، وانهيار ولاء الجيش المالي، ما قد يُفضي إلى قيام كيان” شبه دولة” في الشمال تحت هيمنة جبهة تحرير أزواد أو مزيج بينها وبين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وهو السيناريو الذي ستكون تداعياته على الدول المغاربية بالغة لعلّ أبرز تجلياتها سيكون ضغطًا حدوديًّا هائلًا على الجزائر وموريتانيا، من موجات لجوء، وتدهور الوضع الإنساني أكثر فأكثر، والأخطر هو احتمال اشتعال موجة إرهابية جديدة تضرب المصالح النفطية في الجنوب الجزائري.

السيناريو الثاني: التوازن الهش

سيناريو “التوازن الهش” يبدو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور؛ ويتمثل في استمرار صراع طويل دون حسم في ظل وساطة إقليمية جزئية، وحذر الفاعلين المحليين من الانزلاق إلى دوامة معارك المدن المكلفة. هذا المسار يُبقي الضغط الأمني مزمنًا ومستمرًّا على الدول المغاربية، لكنه أقلّ حدّة من سيناريو الانهيار لأن التكيف مع “الأزمة المزمنة” ينطوي على مخاطر تطبيع خطيرة.

الخاتمة

ما يجري في مالي اليوم ليس مجرد حرب أهلية في دولة أفريقية تعاني فشلًا بنيويًّا وانهيارًا شاملًا لمقومات الاستقرار- يمكن للمراقب أن يتابعه من بعيد- ولكنه اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الأمنية المغاربية على مواجهة تهديد وجودي مشترك، في ظل منافسة بينية تعصف بإمكانية التنسيق، وتُغري بتوظيف الأزمة بدل احتوائها.

المفارقة اللافتة أن الأطراف المغاربية تمتلك العديد من الأوراق والقدرات التي يمكنها أن تغير مسار الأزمة، خاصة الجزائر التي تملك الثقل التاريخي والعسكري، والنفوذ على بعض الفصائل، والمغرب يملك العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية المؤثرة، وموريتانيا تملك علاقات متوازنة مع كل الأطراف، وهي الأكثر تماسًّا مع مالي حدوديًّا وإثنيًّا واجتماعيًّا.

لكن المشكلة لا تكمن في غياب القدرات والأدوات، بل في غياب رؤية مشتركة بين هذه الدول لتوجيهها نحو هدف واحد.


[1] 70 قتيلًا على الأقل في هجمات وسط مالي، 10 مايو 2026، موقع سكاي نيوز عربية، الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/1868629-70

[2] Mali reeling after coordinated attacks hit multiple cities, April 26, 2026. https://www.npr.org/2026/04/25/nx-s1-5799439/mali-hit-by-wave-of-coordinated-attacks-from-armed-groups

[3] إيمانويل دوبوي رئيس المعهد الأوروبي لدراسات الأمن والاستشراف. انظر: مالي بين روسيا وأوكرانيا، خبير فرنسي يحذر من تدويل الصراع، 9 مايو 2026، سكاي نيوز عربية، الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/1868547-مالي-روسيا-وأوكرانيا-خبير-فرنسي-يحذر-تدويل-الصراع

[4] Mali: Guterres calls for international solutions to curb spread of violent extremism in the Sahel, 26 April 2026, https://news.un.org/en/story/2026/04/1167382

[5] Algeria and the Crisis in Mali, https://www.ifri.org/sites/default/files/migrated_files/documents/atoms/files/actuellesariefffinal.pdf

[6] جماعات مالية متشددة.. إحراق 6 شاحنات مساعدة مغربية، 6 مايو 2026، سكاي نيوز عربية، الرابط:

https://www.skynewsarabia.com/world/1868103-جماعات-مالية-متشددة-إحراق-6-شاحنات-مساعدة-مغربية?q=ماسينا&r=1868165

المواضيع ذات الصلة