Insight Image

في حوار تريندز الاستراتيجي الحادي عشر المنظور الهندي تجاه حرب الشرق الأوسط وتحولاتها الجيوسياسية خبراء وأكاديميون هنود: الشرق الأوسط بالنسبة للهند فضاء حيوي يرتبط بأمنها القومي واستقرارها الاقتصادي وطموحاتها كقوة عالمية صاعدة

04 مايو 2026

في حوار تريندز الاستراتيجي الحادي عشر المنظور الهندي تجاه حرب الشرق الأوسط وتحولاتها الجيوسياسية خبراء وأكاديميون هنود: الشرق الأوسط بالنسبة للهند فضاء حيوي يرتبط بأمنها القومي واستقرارها الاقتصادي وطموحاتها كقوة عالمية صاعدة

04 مايو 2026

في ظل التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، وما تفرضه التوترات العسكرية المتصاعدة من تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات البحرية، نظم تريندز جلوبال، التابع لمجموعة تريندز، الحوار الاستراتيجي الحادي عشر تحت عنوان: «الحرب في الشرق الأوسط: كيف ترى الهند الأزمة؟».

وجاء الحوار بإشراف مكتب تريندز في نيودلهي، حيث تواجه المنطقة حالة إعادة تشكل استراتيجي غير مسبوقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والتحولات الدولية الكبرى، ما دفع القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الهند، إلى إعادة تقييم موقعها ودورها في معادلة الشرق الأوسط الجديدة.

وشارك في الحوار نخبة من الباحثين والدبلوماسيين والخبراء الاستراتيجيين من الهند، الذين قدموا قراءة معمقة للموقف الهندي تجاه الأزمة، مؤكدين أن نيودلهي لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد مصدر للطاقة، بل فضاءً حيويًا يرتبط مباشرة بأمنها القومي واستقرارها الاقتصادي وطموحاتها كقوة عالمية صاعدة.

وأظهرت النقاشات أن الحرب الحالية لم تعد أزمة إقليمية محدودة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات المعقدة، ولقدرة القوى المتوسطة والصاعدة على لعب أدوار أكثر تأثيرًا في حفظ الاستقرار العالمي.

وأكد المشاركون أن الشرق الأوسط يحتل موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الهندية المعاصرة، ليس فقط بسبب النفط والغاز، وإنما أيضًا بسبب تشابك المصالح التجارية والإنسانية والجيوسياسية.

وأشاروا إلى أن الهند، التي تُعد واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، تعتمد بصورة كبيرة على استقرار منطقة الخليج العربي لضمان استمرار تدفق الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد والتجارة البحرية، خصوصًا عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.

ورأى المتحدثون أن الحرب الحالية وضعت الهند أمام اختبار استراتيجي معقد يتمثل في كيفية الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية الناتجة عن الاستقطابات الدولية المتصاعدة.

وأوضحوا أن أهمية الأزمة بالنسبة للهند تبرز عبر ثلاثة أبعاد رئيسية، هي: أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، حيث تعتمد الهند على واردات النفط والغاز من منطقة الخليج لتلبية جزء كبير من احتياجاتها المحلية، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في أسعار الطاقة تهديدًا مباشرًا للنمو الاقتصادي والاستقرار المالي. كما ينعكس ارتفاع أسعار النفط على معدلات التضخم وأسعار النقل والصناعة، وقدرة الحكومة الهندية على الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.

أما البعد الثاني فهو أمن التجارة والممرات البحرية، حيث تشكل الممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر أهمية استراتيجية للهند باعتبارها شرايين أساسية للتجارة الدولية. ولذلك، فإن أي تهديد لحركة الملاحة أو إغلاق للمضائق البحرية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الهندي وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، تنظر نيودلهي بقلق متزايد إلى تصاعد المخاطر الأمنية المرتبطة بالملاحة البحرية، خصوصًا مع اتساع دائرة التوترات العسكرية في المنطقة.

ويتمثل البعد الثالث في الجانب الإنساني والجاليات الهندية، حيث يعيش ملايين الهنود في دول الخليج العربي، ويشكلون إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في المنطقة، كما تمثل تحويلاتهم المالية عنصرًا مهمًا للاقتصاد الهندي. وأشار المشاركون إلى أن أي تصعيد أمني واسع يفرض على الحكومة الهندية تحديات إضافية تتعلق بحماية مواطنيها وضمان استمرار الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المرتبط بالجاليات الهندية في الخارج.

   

الافتتاح

وفي التفاصيل، أطلقت الباحثة نور المطوع الحلقة الجديدة من سلسلة “حوار تريندز الاستراتيجي”، مؤكدة أن أزمات الشرق الأوسط المرتبطة بإيران باتت قضية دولية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات جوهرية في التحالفات والاستثمارات الإقليمية.

وأوضحت أن الهند تواجه معادلة استراتيجية معقدة ترتبط بأمن الطاقة، وحماية مصالحها الاقتصادية وجالياتها في الخليج، إضافة إلى أمن الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز.

كما أشارت إلى أن الأزمة تمثل اختبارًا لسياسة “الاستقلال الاستراتيجي” التي تتبناها نيودلهي، في ظل تصاعد الضغوط لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا لحماية شراكاتها مع دول الخليج العربي.واختتمت بالتأكيد على أن الهند تنتهج “واقعية استراتيجية براغماتية” تسعى من خلالها إلى دعم استقرار الإقليم، إدراكًا لتأثير أي تصعيد إضافي على نموها الاقتصادي.

عبثية الحرب

وتولت إدارة الحوار الباحثة في تريندز إبرار العلي، فيما استهل البروفيسور ولشان ساشديفاس، رئيس كرسي “جان مونيه” بمركز الدراسات الأوروبية في جامعة جواهر لال نهرو، الحديث بقراءة نقدية للحرب، معتبرًا أن الأزمة تعكس فشلًا دوليًا في احتواء التوترات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.

وأوضح أن المنطقة كانت تمتلك فرصًا حقيقية لتجنب المواجهة، خاصة مع وجود مسارات تفاوضية مرتبطة بالملفات النووية والأمنية، إلا أن منطق القوة غلب على منطق الحوار.

وأشار إلى أن الحرب أدت إلى تدمير بنى تحتية استراتيجية ومرافق حيوية، ما ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على اقتصادات المنطقة والاقتصاد العالمي.

كما حذر من أن استمرار التوترات في مضيق هرمز يهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، خصوصًا مع تجاوز أسعار النفط مستويات حرجة تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصادات الآسيوية والأوروبية.

وأكد أن الهند مطالبة اليوم بلعب دور أكثر فاعلية في دعم الاستقرار الإقليمي، سواء عبر الدبلوماسية متعددة الأطراف أو من خلال مساهمتها في حماية الممرات التجارية ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية.

صلابة الشراكة الخليجية – الهندية

بدوره، أكد ستيفن سكاليت، المستشار العلمي في قطاع تريندز جلوبال، أن العلاقات الخليجية – الهندية تجاوزت منذ سنوات مفهوم الشراكة الاقتصادية التقليدية، لتصبح شراكة استراتيجية متكاملة تقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار طويل المدى.

وأوضح أن الأزمة الحالية كشفت عن مستوى عالٍ من التنسيق والمرونة بين الهند ودول الخليج، خصوصًا في مجالات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، حيث نجحت الأطراف المعنية في تقليل آثار الصدمة الاقتصادية الأولية للنزاع.

كما شدد على الأهمية الجيوسياسية لمشروع ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، معتبرًا أنه يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المستقبلية الهادفة إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية وربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.وأضاف أن نجاح هذا المشروع يعتمد بصورة أساسية على استقرار المنطقة، ما يجعل الحفاظ على الأمن الإقليمي مصلحة مشتركة للهند ودول الخليج وشركائهم الدوليين.

 

التداعيات الاقتصادية وإدارة التوازنات

من جانبه، تناول البروفيسور سي. فيراماني، مدير وأستاذ كرسي بنك الاحتياطي الهندي بمركز دراسات التنمية، التأثيرات الاقتصادية المباشرة للحرب على الاقتصاد الهندي، موضحًا أن الأزمة وضعت نيودلهي أمام معادلة شديدة التعقيد تتطلب الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية.

وأشار إلى أن الهند ترتبط بعلاقات دفاعية واستراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تعتمد بصورة كبيرة على دول الخليج في مجال الطاقة، كما تحافظ على علاقات مهمة مع إيران ترتبط بالنقل والتجارة والطاقة.

وأكد أن هذه التوازنات تفرض على الهند اتباع سياسة “الانحياز المتعدد”، التي تقوم على حماية المصالح الوطنية دون الانخراط في محاور حادة.

كما استعرض التداعيات الاقتصادية للحرب، بما في ذلك تراجع قيمة الروبية الهندية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتأثر قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة.

ورغم هذه التحديات، رأى أن الأزمة قد تدفع الهند إلى تسريع خططها للتحول نحو الطاقة المتجددة وتعزيز استقلالها الطاقي، بما يقلل من تأثرها بالأزمات الجيوسياسية المستقبلية.

الدبلوماسية الأخلاقية والاستقرار الإقليمي

من جهته، أكد مانجيف سينغ بوري، السفير الهندي السابق لدى الاتحاد الأوروبي ونيبال، أن الموقف الهندي من الأزمة يجمع بين البراغماتية السياسية والبعد الأخلاقي، مشيرًا إلى أن المجتمع الهندي يتابع بقلق بالغ ما تشهده المنطقة من دمار إنساني وتدهور أمني.وأوضح أن القيادة الهندية تتبنى رؤية تدعو إلى الحلول السياسية وخفض التصعيد، انطلاقًا من قناعة بأن الحروب لم تعد وسيلة فعالة لحل النزاعات في عالم مترابط اقتصاديًا واستراتيجيًا.كما لفت إلى أن أي اضطراب في إمدادات الغاز والطاقة ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين الهنود، خاصة في المناطق الريفية، ما يمنح الأزمة أبعادًا اجتماعية وسياسية داخلية تتجاوز الحسابات الجيوسياسية التقليدية.

وأكد أن الهند ستواصل دعم استقرار المنطقة، وتعزيز شراكاتها مع دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في مجالات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتنمية.

 

التوصيات

واختتمت موزة المرزوقي، الباحثة الرئيسية في تريندز للبحوث والاستشارات، الحوار بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات مهمة في طبيعة الدور الهندي في الشرق الأوسط.

وأوصى الحوار بضرورة تعزيز الحضور الدبلوماسي الهندي في ملفات الوساطة وخفض التصعيد، وتطوير شراكات استراتيجية طويلة المدى مع دول الخليج في مجالات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، ودعم مبادرات الأمن البحري لحماية الممرات التجارية الحيوية، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على النفط التقليدي، وتعزيز مرونة الاقتصاد الهندي عبر تنويع مصادر الاستيراد وتوطين الصناعات الحيوية، إضافة إلى دعم مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي والدولي، وعلى رأسها ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا.

وأكدت المرزوقي أن الحوار الاستراتيجي الحادي عشر أظهر أن الهند باتت لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، وأن استقرار المنطقة لم يعد بالنسبة لها قضية خارجية، بل مصلحة استراتيجية ترتبط مباشرة بأمنها القومي ومستقبلها الاقتصادي ودورها الدولي.

كما كشفت المناقشات أن نيودلهي تسعى إلى صياغة نموذج جديد في السياسة الخارجية يقوم على التوازن بين المصالح الاقتصادية والمسؤولية الدولية، بما يعزز قدرتها على التحرك كشريك موثوق وقوة داعمة للاستقرار الإقليمي، موضحة انه في ظل استمرار التحولات الجيوسياسية العالمية، تبدو الهند أمام فرصة تاريخية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، شريطة أن تنجح في إدارة توازناتها المعقدة وتحويل التحديات الراهنة إلى أدوات لتعزيز نفوذها ودورها العالمي.