Insight Image

رغم وقف إطلاق النار: لماذا واصلت إيران استهداف دول الخليج؟ تحليل بنيوي للعقيدة الإيرانية في إدارة الصراع غير المتماثل

17 أبريل 2026

رغم وقف إطلاق النار: لماذا واصلت إيران استهداف دول الخليج؟ تحليل بنيوي للعقيدة الإيرانية في إدارة الصراع غير المتماثل

17 أبريل 2026

رغم وقف إطلاق النار: لماذا واصلت إيران استهداف دول الخليج؟ تحليل بنيوي للعقيدة الإيرانية في إدارة الصراع غير المتماثل

في اللحظة التي بدت فيها المنطقة وكأنها التقطت أنفاسها بعد إعلان وقف إطلاق النار. وفي ظل السلوك العسكري الإيراني الذي تَبَدَّى عبر استمرار عدوانها على دول الخليج، يبرز السؤال الأكثر أهمية، والذي يفرض نفسه بإلحاح كمدخل لقراءة بنية استراتيجية عدوانية تحكم سلوك إيران في الإقليم منذ أربعة عقود، خاصة وأن المفارقة التي تَتَبَدَّى بوضوح ليست في استمرار الاستهداف بعد التهدئة المعلنة، بل في طبيعة الأطراف التي يجري استهدافها، ألا وهي دول الخليج التي لم تشارك أصلًا في إشعال الحرب، ولم تتخذ قرارها، ولم تبادر في أي يوم من الأيام إلى الاعتداء على إيران، بل التزمت بسياسات تقوم على الاستقرار وتجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية والتنافس المحموم بين بعض القوى الإقليمية للهيمنة على المنطقة. ومع ذلك وجدت هذه الدول نفسها في قلب دائرة الاستهداف الصاروخي والجوي، في مشهد يكشف عن خلل عميق في معادلة الأمن الإقليمي، ويعيد طرح سؤال جوهري حول الطبيعة العدائية للدولة التي تدير هذا السلوك، وحدود التزامها بقواعد حسن الجوار وعدم الاعتداء والقواعد التي تنظم العلاقات الدولية.

الإجابة المباشرة التي تؤكدها الوقائع الميدانية والبيانات الموثقة والتقارير المتعددة، تتمثل في أن إيران لا تدير صراعًا ردعيًّا تقليديًّا، بل صراعًا بنيويًّا مفتوحًا، ترى فيه أن التهدئة ليست نهاية للمواجهة، بل أداة لإعادة توزيعها، خاصة وأنها لا تستهدف دول الخليج بسبب أفعالها، بل بسبب موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية، وبسبب تصور استراتيجي يرى أن أي قوة مستقلة في الإقليم تمثل تحديًا يجب احتواؤه أو تحييده، وهو ما يجعل وقف إطلاق النار إجراءً تكتيكيًّا لا يوقف الاستهداف، بل يعيد تنظيمه ضمن ما يمكن تسميته “الحرب الأبدية منخفضة الحدة”.

تحاول هذه الورقة تحليل الأبعاد العشرة الرئيسية لهذا السلوك، اعتمادًا على البيانات الموثقة والتقارير الدولية، مع تحليل للعوامل الجيوسياسية والنفسية والقانونية التي تفسر استمرار الاستهداف لدول الخليج رغم الهدنة.

  • تعرية التناقض البنيوي بين الخطاب الإيراني والواقع الميداني

يتم التأكيد بشكل متكرر في الخطاب الرسمي الإيراني، على أن المواجهة تقتصر على الولايًّات المتحدة وإسرائيل، وعلى القواعد التي تنطلق منها العمليات العسكرية ضدها. هذا الخطاب يقدم إيران كطرف يدافع عن نفسه في مواجهة عدوان خارجي، ويُظهر حرصًا لغويًّا على عدم استهداف الجوار. فعلى سبيل المثال، كرر وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان أكثر من مرة أن “إيران لا ترغب في التصعيد مع جيرانها”، وأن “أمن الخليج هو أمن إيران”. غير أن الوقائع الميدانية، كما توثقها تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”ACLED” ومراكز الأبحاث الغربية (1)، تكشف صورة مختلفة تمامًا، ففي الوقت الذي نفت فيه إيران رسميًّا، على لسان الحرس الثوري، قصف أي دولة خليجية خلال الهدنة (2)، مؤكدة أنها لن تنفذ أي هجوم دون إعلان رسمي مسبق، فإنها في المقابل استمرت باستهداف دول الخليج خلال الأيام الأولى من الهدنة (3)، علمًا بأنها كانت قد هاجمتها بأكثر من 6,413 صاروخًا وطائرة مسيرة، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين، خلال 41 يومًا من التصعيد (4) (5).

هذا التناقض بين النفي الرسمي واستمرار العمليات الميدانية يعكس استخدامًا واعيًا للخطاب كأداة سياسية لتخفيف الضغوط وتقديم صورة منضبطة أمام المجتمع الدولي، بينما كانت العمليات تُدار وفق منطق مختلف يقوم على توسيع دائرة الصراع.

للوصول إلى تحليل أعمق، تحاول الورقة تفكيك هذه الأرقام زمنيًّا وجغرافيًّا، حيث تبين المعلومات أن إيران أطلقت في اليوم الأول من الهدنة 141 صاروخًا وطائرة مسيرة، وُزعت كالتالي: الإمارات (17 صاروخا و35 مسيرة)، السعودية (5 صواريخ و9 مسيرات)، الكويت (28 مسيرة)، قطر (7 صواريخ وعدد من المسيرات)، والبحرين (6 صواريخ و31 مسيرة) (6)، واستمرت الهجمات في اليوم الثاني مستهدفة البحرين والكويت بعشر مسيرات إضافية (3).

هذه الأرقام الصغيرة نسبيًّا مقارنة بحجم التصعيد الكلي، تشير إلى أن استراتيجية إيران لا تقوم على توجيه ضربات ساحقة في لحظة واحدة، بل على خلق حالة من الاستنزاف المستمر عبر موجات متكررة من الهجمات منخفضة الكلفة وعالية التأثير النفسي. وفي حين أشارت بيًّانات “ACLED” إلى نحو 90 هجومًا إيرانيًّا على إسرائيل في بداية التصعيد (1)، فإن تقديرات معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أشارت إلى أن إيران أطلقت 2.5 ضعف عدد الصواريخ و20 ضعف عدد الطائرات المسيرة على دول الخليج مقارنة بإسرائيل (7) (8). وبالأرقام المطلقة تشير تقديرات مركز “JINSA” للأبحاث إلى إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي وما يقارب 1000 طائرة مسيرة باتجاه دول الخليج في الأيًّام الأولى من الصراع وحدها (9)، بينما كانت الهجمات على إسرائيل -رغم رمزيتها السياسية والإعلامية- أقل كثافة واستمرارية. وفي تفصيل أكثر دقة أعلنت وزارة الدفاع السعودية أنها اعترضت ما لا يقل عن 438 طائرة مسيرة و36 صاروخًا باليستيًّا وكروز خلال ثلاثة أسابيع فقط من التصعيد (10) (11). وفي حالة الإمارات وحدها، تشير البيانات إلى إطلاق 438 صاروخًا باليستيًّا وأكثر من 2000 طائرة مسيرة و19 صاروخًا من طراز كروز حتى أبريل 2026 (12).

وبالمجمل، أظهرت إحصائيات حديثة (حتى أوائل أبريل 2026) أن إيران استهدفت دول الخليج العربي بأكثر من 6413 صاروخًا وطائرة مسيّرة (4) (5) (13)، حيث تشكل هذه الهجمات 83-85% من إجمالي العمليًّات الإيرانية خلال الحرب الحالية، مع تركز الهجمات على البنى التحتية والموانئ والمطارات، في حين أطلقت -وفقًا لبيانات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي(INSS) – 500-700 صاروخ وأقل من 1000 مسيرة نحو إسرائيل، وبما يعادل 20-25% من إجمالي العدد الكلي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تم إطلاقها نحو دول الخليج وإسرائيل (7) (8).

ما الذي تفسره هذه الأرقام؟ أولًا، تنسف الرواية الإيرانية بأن الحرب موجهة ضد إسرائيل فقط، لأن مركز الثقل العملياتي كان موجهًا نحو الخليج. ثانيًا، تكشف عن إدراك إيراني بأن دول الخليج، رغم حيادها، تمثل نقطة ضعف استراتيجية يمكن استغلالها لفرض الضغط على النظام الدولي بأكمله، لأن أي اضطراب في أمن الطاقة الخليجي ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية. ثالثًا، تُظهر أن إيران تتبع استراتيجية “التوزيع الجغرافي للضغط”، حيث تفتح جبهات متعددة (اليمن، العراق، سوريا، لبنان، والخليج مباشرة) لتشتيت قدرات الخصوم ورفع كلفة الردع.

  • منطق الاستهداف غير المبرر كأداة لتكريس الهيمنة

لم تكن دول الخليج في مجملها طرفًا في اتخاذ قرار الحرب، ولم تشارك في العمليًّات العسكرية ضد إيران، ولم تبادر بأي اعتداء عليها، هذه حقيقة ثابتة في السلوك السياسي لهذه الدول، التي سعت تاريخيًّا إلى تجنب الانخراط في صراعات مفتوحة، وإلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي حتى في ذروة التوتر مع إيران، حيث كانت دول الخليج تفضل الوساطة والحوار، كما ظهر في مبادرات عديدة قدمتها هذه الدول. ومع ذلك، فإنها أصبحت هدفًا مباشرًا لهجمات صاروخية ومسيرات استهدفت منشآت النفط والمطارات والموانئ، بل وحتى مناطق سكنية (14) (15) (16). هذا الواقع يطرح سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًّا حادًّا، وهو: كيف يمكن تبرير استهداف دول لم تشارك في الحرب؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب الانتقال من التحليل القانوني إلى التحليل الجيوسياسي، خاصة وأن إيران -وبحسب مؤشرات التحليل الموضوعي- لم تستهدف دول الخليج بسبب أفعالها، بل بسبب موقعها وثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية، وبسبب تصور استراتيجي يرى أن أي قوة مستقلة في الإقليم تمثل تحديًا ينبغي إخضاعه أو تحييده، هذا التصور يعود إلى نظرية “الوكالة” في الفكر السياسي الإيراني، حيث ينظر إلى دول الخليج وفقًا للرؤية الإيرانية على أنها “وُكلاء” للقوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وبالتالي فإن استهدافها هو استهداف غير مباشر لتلك القوى. لكن الأعمق من ذلك أن إيران تسعى إلى خلق “منطقة رمادية” في الخليج، لا تسيطر عليها أي قوة خارجية ولا حتى الدول نفسها بشكل كامل، بحيث تصبح هذه المنطقة مجالًا للنفوذ الإيراني عبر التهديد المستمر. في هذا السياق، يصبح الحياد الخليجي غير كافٍ لتجنب الاستهداف، لأن المشكلة لا تكمن في سلوك هذه الدول، بل في وجودها ككيانات مستقلة وقادرة على التحالف مع أطراف أخرى، وهذا ما يفسر لماذا استمرت الهجمات حتى على دول الخليج التي حافظ معظمها على علاقات جيدة نسبيًّا مع إيران.

وهذا في الواقع ما أكدته تصريحات العديد من المحللين الاستراتيجيين. ففي تحليل نشره مركز “المجلس الأطلسي”، يرى الخبير السعودي خالد الحباس أن استمرار الهجمات يعكس “السلوك العدواني الإيراني تجاه دول الخليج”، والذي يهدف إلى “إخضاع الجوار بالقوة”، مشيرًا إلى أن طهران استهدفت دولًا ليست طرفًا في النزاع، في إطار خطة مسبقة صيغت تحسُّبًا لمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن جهته، وصف الخبير العسكري الكويتي ظافر العجمي السلوك الإيراني بأنه يمثل “كتابة رسائل لواشنطن في رماد أصولنا المدنية وبنيتنا التحتية” (17)، في إشارة إلى أن الهدف الحقيقي ليس الخليج بذاته، بل ابتزاز القوى الكبرى من خلال تهديد مصالحها الحيوية في المنطقة.

  • الاقتصاد السياسي للصراع، واستراتيجية فرض الكلفة على النظام الدولي

يكشف هذا السلوك في بُعْده الاقتصادي عن استراتيجية متقنة لـ”فرض الكلفة” (Cost Imposition)  على أطراف لم تشارك في الصراع، بهدف دفعها إلى تعديل مواقفها أو القبول بأدوار جديدة في المعادلة الإقليمية، حيث إن دول الخليج وبحكم موقعها في سوق الطاقة العالمي تمثل هدفًا مثاليًّا لهذا النوع من الضغط، خاصة وأن استهداف منشآت النفط والموانئ لا يضرب الاقتصاد الخليجي فحسب، بل يرسل موجات صدمة عبر الأسواق العالمية، ما يجعل القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي) تشعر بأن استقرارها الاقتصادي مرهون بسلوك إيران، وهذا هو جوهر “الابتزاز الجيوسياسي” من خلال إجبار المجتمع الدولي على دفع ثمن سياساته من خلال تهديد إمدادات الطاقة.

وبالذهاب إلى فحص الأدلة، يتبين أن الهجوم على منشآت أرامكو في السعودية تسبب في خفض إنتاج المملكة بنحو 600 ألف برميل يوميًّا، بينما انخفضت قدرة ضخ خط أنابيب شرق-غرب بنحو 700 ألف برميل يوميًّا (18)، كما استهدفت الهجمات مصافي تكرير رئيسية في الجبيل ورأس تنورة وينبع والرياض (19)، ما أثر بشكل مباشر على صادرات المنتجات المكررة إلى الأسواق العالمية. وفي قطر، أفادت تقارير متخصصة عن “أضرار واسعة” طالت موقع حقل الشمال للغاز الطبيعي المسال، وهو الأكبر في العالم (20)، ما أثار مخاوف حيال إمدادات الطاقة العالمية وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط 5% والغاز الأوروبي 35% في غضون 48 ساعة فقط (21). أمّا في الكويت، فقد تم استهداف مصفاة “ميناء عبد الله” التابعة لشركة البترول الوطنية بطائرة مسيرة، ما أدى إلى اندلاع حريق استغرق إخماده ثلاثة أيام (19)، كما تعرضت مصفاة “ميناء الأحمدي” لهجوم مماثل بعد أسبوع واحد فقط (19).

ما التحليل العميق هنا؟ تدرك إيران أن أسواق الطاقة تعيش على حافة التوازن، وأن أي هجوم ولو محدود على البنية التحتية الخليجية يمكن أن يتسبب في ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و30%، ما يضغط على الاقتصادات الغربية والصينية، وهذا ما يمنح إيران ورقة تفاوض قوية في أي مفاوضات حول برنامجها النووي أو العقوبات المفروضة عليها. علاوة على ذلك، فإن استمرار الهجمات بنمط “القطّارة” (موجات متفرقة ولكن متكررة) يخلق حالة من عدم اليقين المستمر في أسواق التأمين والشحن، ما يرفع تكاليف نقل النفط والغاز من الخليج، وبالتالي يزيد من الكلفة الاقتصادية على المستهلكين العالميين، دون أن تتحمل إيران نفسها كلفة الحرب الشاملة.

  • أدوات التنفيذ غير المباشر: الوُكلاء والخلايا النائمة وشبكات الظل، كبنية تحتية للصراع

تعتمد إيران على منظومة معقدة ومتعددة المستويات من الأدوات غير المباشرة، يقودها الحرس الثوري الإيراني (فيلق القدس بشكل خاص)، الذي يدير شبكة واسعة من الفاعلين غير الحكوميين في الإقليم. هذه الشبكة تتيح تنفيذ عمليات استهداف دون تحمل المسؤولية المباشرة، ما يمنح إيران قدرة على المناورة بين التصعيد والتهدئة، ويجسد فلسفة تقوم على “توزيع المسؤولية وتفتيت التهديد”. في هذا الإطار، لعبت جماعات مثل الحوثيين دورا محوريًّا في استهداف العمق الخليجي، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة أو الزوارق المفخخة التي تهدد الممرات البحرية. لكن الأبعاد الأكثر خطورة، والتي غالبًا ما يتم تجاهلها في التحليلات الإعلامية، تكمن في عمليات التجسس وتوجيه الضربات التي تنفذها خلايا نائمة داخل بعض دول الخليج نفسها.

فخلال فترة وجيزة (لا تتجاوز ثلاثة أسابيع من التصعيد)، أعلنت كل من الإمارات والكويت والبحرين وقطر تفكيك خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله على أراضيها (22) (23) (24) (25)، حيث تراوحت أنشطتها بين التجسس على تحركات القوات العسكرية، ومراقبة المنشآت الحيوية، وتحديد إحداثيات دقيقة للضربات، وغسل الأموال لتمويل العمليات، والتخطيط لعمليات إرهابية ضد مدنيين (26) (27). وفي قطر، ألقي القبض على خليتين تضمان حوالي عشرة أشخاص مكلفين بمهام “تجسس وتخريب”، وعُثر بحوزتهم على “مواقع وإحداثيات منشآت ومرافق حساسة، إلى جانب أجهزة اتصال ومعدات تقنية متطورة” (28) (29). وفي الكويت، تم اكتشاف صاروخ باليستي بحري جاهز للإطلاق داخل مزرعة نائية، إضافة إلى كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة (30).

من جانب آخر، تشير تقارير استخباراتية غربية (صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي) إلى أن هذه الخلايا النائمة لا تقتصر على جنسية واحدة، بل تضم جنسيات متعددة، منها عربية (لبنانيون، عراقيون، سوريون)، وآسيوية (أفغان، هنود، باكستانيون، بنغلاديشيون)، بالإضافة إلى مواطنين شيعة خليجيين (في البحرين والسعودية والكويت) (31)، كما تشمل جنسيات شمال أفريقية (جزائريون، تونسيون)، بيد أن الدليل الأوضح على وجود عملاء للحرس الثوري داخل دول الخليج أن مقاطع فيديو لحظة الاستهداف (على سبيل المثال، لحظة سقوط صاروخ على مصفاة أو مطار) كانت تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي (خاصة تيليغرام وتويتر) قبل دقائق من إعلان السلطات الرسمية عن أي هجوم (27) (32)، ما يعني أن هناك شبكة مراقبة ميدانية تنقل الصور الحية مباشرة. هذه الشبكة لا تعمل بطريقة عشوائية، بل وفق منطق دقيق يوازن بين التصعيد والإنكار، حيث يتم تحقيق أثر استراتيجي كبير (إثارة الرعب، تعطيل الحياة اليومية، إظهار الضعف الحكومي) عبر أدوات محدودة (طائرة مسيرة رخيصة أو خلية صغيرة)، مع الحفاظ على هامش إنكار يسمح لطهران بتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

  • الردع غير المتماثل وإدارة الزمن في الصراع: من نظرية اللعبة إلى التطبيق الميداني

تسعى إيران إلى بناء معادلة ردع جديدة، تختلف جذريًّا عن الردع التقليدي القائم على توازن القوى العسكرية المباشر، هذا الردع “غير المتماثل” يقوم على إقناع الخصوم بأن أي تحرك ضد إيران -سواء كان عسكريًّا أم اقتصاديًّا أم دبلوماسيًّا- سيقابله رد مؤلم ومتعدد الأبعاد، حتى لو تم ذلك عبر أدوات غير مباشرة وبعد فترة زمنية طويلة. في هذا الإطار، يصبح الاستهداف المستمر لدول الخليج (التي تعتبر حليفة للولايًّات المتحدة) وسيلة لترسيخ هذه المعادلة، وإبقائها حاضرة في حسابات صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم الخليج، في حين لا يعتمد الردع هنا على المواجهة المباشرة، بل على القدرة على إحداث أثر مستمر وغير قابل للتنبؤ، يخلق حالة من “عدم اليقين الاستراتيجي”، ويجعل من الصعب على الخصم اتخاذ قرارات حاسمة. هذا النوع من الردع يتطلب استمرارية في الفعل، لأن التوقف -ولو مؤقتا- قد يفسر بوصفه تراجعًا أو ضعفًا، ما يضعف من مصداقية التهديد. لذلك، فإن وقف إطلاق النار لا يؤدي إلى توقف كامل للعمليات، بل إلى إعادة توزيعها زمنيًّا وجغرافيًّا، بما يحافظ على مستوى معين من الضغط، دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى تصعيد شامل.

وهنا نصل إلى مفهوم “إدارة الزمن في الصراع”، حيث تدرك إيران أن الصراعات في المنطقة ليست سباقات قصيرة بل ماراثونات طويلة الأمد، وأن القدرة على الصمود والتحمل قد تكون أكثر أهمية من تحقيق انتصار سريع ومكلف في هذا السياق. وعليه، فإن الاستهداف المستمر (حتى لو كان منخفض الحدة) يصبح جزءًا من استراتيجية استنزاف، تهدف إلى إضعاف الخصم تدريجيًّا، ورفع كلفة استمراره في سياساته المعادية، ودفعه إلى تقديم تنازلات على المدى الطويل. ومن البديهي أن هذا النمط من الصراع لا يقدم لحظة حاسمة يمكن عندها إعلان النصر أو الهزيمة، ما يخلق حالة من التوتر المستمر والإحباط النفسي لدى صانع القرار الخليجي والمواطن الخليجي العادي، وقد تجلى ذلك بوضوح في تصريحات قائد الحرس الثوري، الذي قال في خطاب متلفز: “نحن لا نبحث عن حرب، لكننا لا نخاف منها، ومادام التهديد مستمرًّا، سنُبقي أصابعنا على الزناد. إن الهدنة لا تعني نهاية القتال، بل تغييرًا في أساليبه”. هذا التصريح بمثابة وثيقة رسمية تعلن أن إيران تعتبر التهدئة مجرد مرحلة ضمن مراحل الصراع، وليست التزامًا بوقف الأعمال العدائية.

  • فجوة الثقة والبناء الرمزي للعدو: كيف يُعيد الخطاب إنتاج المواجهة؟

لا يمكن فهم استمرار الاستهداف بمعزل عن البُعْد الرمزي والخطابي للصراع، خاصة وأن فجوة الثقة العميقة بين إيران ودول الخليج لا تعود إلى خلافات ظرفية أو أزمات عابرة، بل إلى تراكم تاريخي من الصراعات الأيديولوجية والطائفية والجيوسياسية، وإلى تباين جذري في الرؤية للنظام الإقليمي. فإيران -بحكم علاقاتها الوثيقة مع الغرب- ترى في دول الخليج امتدادًا لنفوذ قوى دولية “مستكبرة” تسعى إلى محاصرة الثورة الإسلامية، بينما تنظر هذه الدول إلى السلوك الإيراني بوصفه تهديدًا وجوديًّا مباشرًا لأمنها واستقرارها وسيادتها (16). في ظل هذه المعادلة، يصبح وقف إطلاق النار إجراءً تقنيًّا مؤقتًا، لا يغير من جوهر العلاقة، بل يعيد تنظيمها ضمن إطار أكثر هدوءًا ظاهريًّا، مع استمرار التوتر في العمق.

هذا التوتر يتغذى بشكل دائم على الخطاب السياسي والإعلامي المتطرف في إيران، والذي يعيد إنتاج الصور النمطية للعدو، ويكرس منطق المواجهة الحتمية، في ظل إصرار تصوير دول الخليج على أنها “دول النفط التابعة لأمريكا”، أو “أنظمة الحكم الرجعية”. أضف إلى ذلك الإرث الفارسي الذي سعى تاريخيًّا وعبر كثير من المحطات إلى تدمير العرب والسُّنة.

وعليه، فإنه عندما يُصَوَّر الصراع بهذه الطريقة المانوية (خير ضد شر، مؤمن ضد كافر، مظلوم ضد ظالم)، تصبح التهدئة مجرد استراحة قصيرة للاستعداد للمواجهة القادمة، وليست مسارًا مستدامًا نحو التعايش، وهذا ما يشير بدقة إلى البُعْد الرمزي للصراع، والذي لا يقل أهمية عن بُعْدَيه العسكري والسياسي، لأنه يشكل البيئة الفكرية والثقافية التي تتحرك فيها القرارات، ويحدد سقف الخيارات المتاحة أمام القادة. ففي لحظة التهدئة، يجد القادة الإيرانيون أنفسهم مضطرين لمواصلة نوع من “المقاومة الرمزية” عبر استهداف الخليج، حتى لا يُتهموا بالتراجع أو التطبيع مع “النظام العالمي الجائر” بحسب وصفهم وتعبيرهم.

  • البيئة الدولية المتغيرة: استغلال الفراغ والمناطق الرمادية

يستفيد السلوك الإيراني أيضًا من طبيعة البيئة الدولية المتقلبة، حيث تتردد القوى الكبرى (الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي) في الانخراط في مواجهات مباشرة جديدة، خاصة بعد حروب أفغانستان والعراق وأوكرانيا، وما تلاها من إرهاق جيوسياسي ومالي. هذا التردد يخلق مساحة لما يمكن وصفه بـ”المناطق الرمادية” في الصراع، وهي مناطق لا تصل فيها الأعمال العدائية إلى مستوى الحرب الشاملة، ولا تنخفض إلى مستوى السلام الكامل، ما يسمح لإيران بتنفيذ عمليات محدودة ومحسوبة، دون الوصول إلى مستوى يستدعي رَدًّا دوليًّا شاملا. في هذا الإطار، فإن استهداف دول الخليج (التي ليست أعضاء في حلف الناتو ولا تمتلك أسلحة نووية) يصبح جزءًا من إدارة هذا الهامش الرمادي، حيث يتم اختبار حدود الردود الخليجية والدولية، والحفاظ على مستوى من الضغط يمكن رفعه أو خفضه حسب الحاجة، دون تجاوز الخطوط الحمراء.

كما أن تعدد الأزمات في المنطقة (الحرب في اليمن، وعدم الاستقرار في العراق، والانهيار في سوريا، والصراع مع إسرائيل، والأزمة السياسية في لبنان)، كل ذلك يوفر لإيران ساحات متعددة للتحرك، ويمنحها “واجهات” متعددة للضغط، ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب احتواء هذا السلوك ضمن إطار واحد. فبينما تركز الدبلوماسية الدولية على وقف إطلاق النار في جبهة معينة (مثل لبنان أو غزة)، تستمر العمليات الإيرانية عبر وكلائها في جبهات أخرى (مثل اليمن أو العراق) أو مباشرة في الخليج. هذا “التشابك الاستراتيجي” يمنح إيران ميزة تنافسية، حيث يمكنها استخدام التهدئة في ساحة لتحقيق مكاسب في ساحة أخرى، وهو ما يفسر لماذا أعلنت إيران موافقتها على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في لحظة معينة، بينما استمرت في تصعيد الهجمات على الخليج، لأن كل ساحة لها حسابها الخاص.

  • البُعْدان القانوني والأخلاقي: انتهاك قواعد الحرب وشرعنة الاستهداف غير المبرر

يطرح استهداف دول الخليج -خاصة البنية التحتية المدنية والمناطق السكنية- إشكالية قانونية وأخلاقية عميقة، حيث يتعارض بشكل صارخ مع قواعد القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف) التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وتُلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، حيث أشارت تقارير الأمم المتحدة الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن العديد من الهجمات الإيرانية على السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر “لا يمكن تبريرها بوجود أهداف عسكرية مشروعة”، وأن “استمرار استهداف المنشآت النفطية والمطارات والمدارس والمستشفيات يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، وقد يرقى إلى جرائم حرب” (15)، كما أشارت تقارير “هيومن رايتس ووتش” إلى أن إيران “فشلت في اتخاذ الاحتياطات الكافية لحماية المدنيين، واستخدمت أسلحة غير دقيقة في مناطق مأهولة بالسكان” (14).

هذا البعد القانوني لا يقتصر على مسؤولية إيران المباشرة عن هذه الاعتداءات، بل يمتد إلى مسؤولية الدول التي تقدم الدعم للجماعات المسلحة المرتبطة بها (مثل الحوثيين أو الميليشيات الموالية لإيران في العراق)، والتي تُوجهها لتنفيذ هذه الهجمات. فقواعد “المسؤولية المشتركة” في القانون الدولي تنص على أن الدولة التي تسيطر فعليًّا على جماعة مسلحة وتوجهها لتنفيذ عمليات عسكرية، تتحمل المسؤولية القانونية عن أفعال تلك الجماعة كما لو كانت أفعالها المباشرة. وهذا ما يجعل إيران مسؤولة عن هجمات الحوثيين على السعودية والإمارات، وعن هجمات الميليشيات الشيعية في العراق على الكويت، وعن هجمات الخلايا النائمة في البحرين وقطر. لكن التحدي الأكبر يكمن في صعوبة تطبيق هذه القواعد في الواقع، بسبب ضعف آليات المحاسبة الدولية، واستخدام إيران استراتيجية “الإنكار المعقول” التي تجعل من الصعب إثبات التوجيه المباشر.

أخلاقيًّا، فإن استهداف دول لم تشارك في الحرب ولم تَعْتَدِ على إيران يعكس مفهومًا مشوهًا للعدالة، حيث يتم تحميل الأبرياء (المواطنين الخليجيين والبنية التحتية المدنية) تكلفة صراع لم يخلقوه. هذا النوع من السلوك يُخرج الصراع من إطار المواجهة العسكرية المشروعة إلى إطار “إرهاب الدولة” أو “الحرب بالوكالة”، ما يُفقد إيران أي شرعية أخلاقية قد تدعيها في دفاعها عن نفسها.

  • تأثير السلوك على الأمن الإقليمي والدولي: دوامة التصعيد وإعادة تعريف التهديد

إن استمرار هذا النمط من الاستهداف له تداعيات كارثية على الأمن الإقليمي والدولي، فهو من جانب يهدد استقرار منطقة الخليج التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي، ويؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال والكفاءات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن، ما يرفع أسعار السلع والطاقة عالميًّا. ومن جانب آخر يخلق حالة من “التطبيع مع العنف”، حيث تصبح الهجمات الصاروخية والمسيرات جزءًا من الحياة اليومية للمواطن الخليجي، ما يؤدي إلى تآكل الصحة النفسية وانتشار القلق والاكتئاب، خاصة بين الأطفال وكبار السن، كما يدفع دول الخليج إلى سباق تسلح باهظ التكلفة، حيث تسعى إلى تطوير أنظمة دفاع جوي متطورة (مثل اعتراض الصواريخ الباليستية والمسيرات)، وبناء قدرات ردع تقليدية، ما يحول موارد مخصصة للتنمية والتعليم والصحة إلى ميزانيات عسكرية ضخمة، إضافة إلى أنه يخلق بيئة خصبة لنشوء الجماعات المتطرفة (من الجانبين الطائفي والجهادي) التي تستغل حالة الفوضى والتوتر لتجنيد المقاتلين وتوسيع نفوذها. ناهيك عن أنه يؤثر على العلاقات بين دول الخليج نفسها، حيث قد تلقي كل دولة باللوم على الأخرى في استفزاز إيران أو في عدم كفاية الردع، ما يضعف التكامل الخليجي ويعمق الخلافات الداخلية.

على المستوى الدولي، فإن استمرار استهداف الخليج يضع القوى الكبرى (خاصة الولايات المتحدة والصين) في موقف حرج. فمن ناحية، لا تريد هذه القوى الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، بسبب التكاليف البشرية والمالية والسيّاسية. ومن ناحية أخرى، لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي بينما تتعرض مصالحها الحيوية للتهديد بشكل مستمر (الوصول إلى النفط والغاز، القواعد العسكرية، طرق التجارة). هذا الوضع يخلق حالة من “الازدواجية” في السياسات الدولية، تتمثل في إدانة لفظية للسلوك الإيراني، مع تردد في اتخاذ إجراءات رادعة حقيقية، وهذا التردد بدوره يشجع إيران على المزيد من الاستهداف، في حلقة مفرغة يصعب كسرها.

  • خلاصات وتوصيّات: نحو استراتيجية خليجية جديدة لكسر النمط

في المحصلة، يكشف المشهد عن تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة، وعن استراتيجية إيرانية متكاملة وواعية، تقوم على إدارة الصراع بأدوات متعددة (عسكرية، اقتصادية، قانونية، إعلامية، نفسية)، وعلى استثمار كل مرحلة -سواء كانت تصعيدًا أو تهدئة- في خدمة أهداف طويلة الأمد. فإيران تعلن أن حربها موجهة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها على الأرض تستهدف دول الخليج بشكل مكثف ومنهجي، رغم أن هذه الدول لم تشارك في الحرب ولم تَعْتَدِ عليها، حيث تؤكد الأرقام الموثقة أن حجم الهجمات على دول الخليج يفوق بكثير ما استهدف إسرائيل، وأن البنية التحتية المدنية والاقتصادية الخليجية كانت الهدف الرئيسي (4) (5) (7) (8)، ما ينسف الرواية الرسمية، ويكشف عن استراتيجية تقوم على توسيع دائرة الصراع، وفرض النفوذ بالقوة، وابتزاز المجتمع الدولي من خلال تهديد أمن الطاقة.

هذا السلوك لا يمكن احتواؤه عبر إجراءات جزئية أو ردود فعل آنية أو بيانات إدانة عابرة، بل يتطلب فهمًا عميقًا لمنطقه البنيوي، وبناء مقاربة خليجية شاملة وجريئة تعيد تعريف معادلة الأمن في المنطقة، خاصة وأن المسؤولية هنا لا تتوقف عند حدود التشخيص، بل تمتد إلى ضرورة بناء رؤية استراتيجية قادرة على كسر هذا النمط من الصراع، عبر محاور متكاملة، من أهمها:

أولًا: تعزيز التكامل الخليجي في مجال الدفاع والأمن، من خلال إنشاء نظام دفاع جوي مشترك يغطي كامل المنطقة، وتبادل الاستخبارات في الوقت الفعلي، وتنسيق الردود على أي استهداف.

ثانيًا: تطوير قدرات الردع الخليجية التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك القدرات الهجومية الدقيقة التي تسمح بتوجيه ضربات انتقامية ضد أهداف إيرانية (بما في ذلك داخل إيران) إذا لزم الأمر، لترسيخ معادلة “الردع المتبادل”.

ثالثًا: إعادة الاعتبار لمنطق الدولة القادرة على حماية مصالحها ضمن إطار قانوني وأخلاقي، عبر تعزيز السيادة الوطنية، وتجفيف منابع التجسس والتخريب، وملاحقة الخلايا النائمة بقوة.

رابعًا: تنويع التحالفات الدولية، بحيث لا تبقى دول الخليج رهينة لسياسة أمريكية مترددة أو صينية غير فاعلة، بل تبني شبكة من الشراكات الأمنية مع قوى أوروبية وآسيوية وعربية وإسلامية أخرى.

خامسًا: الانتقال من سياسة “الحياد السلبي” إلى سياسة “الردع النشط”، حيث لا يقتصر الدور الخليجي على الاعتراض الدفاعي، بل يشمل خلق كلفة استراتيجية على إيران مقابل كل عملية استهداف، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو الدعم المالي والعسكري لجماعات معارضة لإيران (مع الحفاظ على الخطوط الأخلاقية)، أو عبر الضغط الدبلوماسي في المحافل الدولية لتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية بشكل كامل.

في المحصلة؛ إن ترك السلوك العدائي الإيراني تجاه دول الخليج دون مواجهة حقيقية وجذرية قد يكرس معادلة مختلة، ويعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة، ويجعل من الاستقرار الخليجي حالة مؤقتة وهشة، لا واقعًا مستدامًا، وهو ما يجعل الخليج اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، فإمّا أن يظل ساحة مفتوحة للصراعات الإيرانية، يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء والبنية التحتية الحيوية، وإمّا أن ينتقل واعيًا وبجرأة نحو مرحلة جديدة، يكون فيها الفعل الاستراتيجي هو القاعدة، والردع المتناسب هو الرد الطبيعي على أي تهديد، ويكون التردد استثناءً لا مكان له في معادلة الأمن والاستقرار. بيد أن بناء هذه المرحلة الجديدة يتطلب جرأة في القرار تفرضها مقتضيات الضرورة والأمن الاستراتيجي لهذه الدول، كما يتطلب رأيًا عامًّا واعيًا، وتعاونًا إقليميًّا غير مسبوق، وإدراكًا بأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالاستجداء أو الحياد، بل بالقوة العادلة التي تردع المعتدي وتحفظ الحقوق.


  • المراجع
  1. ACLED (2026، 2 مارس). “ACLED’s CEO Prof. Clionadh Raleigh on how Iran is striking back”.

 https://acleddata.com/expert-comment/acleds-ceo-prof-clionadh-raleigh-how-iran-striking-back

  1. TVP World (2026، 9 مارس). “Iran’s IRGC denies Gulf attacks amid ceasefire violations”.

https://www.tvpworld.com/arabic/news/iran-s-irgc-denies-gulf-attacks-amid-ceasefire-violations

  1. Sky News Arabia (2026، 5 أبريل). “رغم الهدنة.. إيران تواصل اعتداءاتها على دول الخليج”. https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1822272-رغم-الهدنة-إيران-تواصل-اعتداءاتها-دول-الخليج
  2. الأناضول (2026، 10 أبريل). “6413 صاروخا ومسيرة.. حصيلة 41 يومًا من هجمات إيران تجاه 7 دول عربية”. وكالة الأناضول. https://www.aa.com.tr/ar/الدول-العربية/6413-صاروخا-ومسيرة-حصيلة-41-يومًا-من-هجمات-إيران-تجاه-7-دول-عربية-محصلة/3900403
  3. 5. الجزيرة نت (2026، 10 أبريل). “بعد 41 يوما من الحرب.. ما حصيلة الهجمات الإيرانية على 7 دول عربية؟”. https://www.aljazeera.net/news/2026/4/10/حصيلة-هجمات-إيران
  4. 6. سكاي نيوز عربية (2026، 5 أبريل). “دفاعات البحرين تسقط 6 صواريخ و31 مسيّرة خلال 24 ساعة”. https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1821584-دفاعات-البحرين-تسقط-6-صواريخ-و31-مسيرة-24-ساعة
  5. WION (2026، 27 مارس). “Iran launched far more missile, drone strikes on Gulf states than Israel, claims report”. https://www.wionews.com/world/iran-launched-far-more-missile-drone-strikes-on-gulf-states-than-israel-claims-report-1774597564760
  6. The New Arab (2026، 4 مارس). “Iran targeted Gulf with more missiles and drones than Israel”.

https://www.newarab.com/news/iran-targeted-gulf-more-missiles-and-drones-israel

  1. JINSA (2026، 10 أبريل). “Operation Epic Fury: A Work in Progress”.

 https://jinsa.org/jinsa_report/operation-epic-fury-a-work-in-progress/

  1. Arab News Japan (2026، 18 مارس). “439 drones, 36 missiles: The staggering toll of Iran’s 3-week strike on Saudi Arabia”.

https://www.arabnews.jp/en/saudi-arabia/article_166172/

  1. 11. وكالة الأنباء السعودية (2026، 18 مارس). “المنظومات الدفاعية تسجل نجاحًا كبيرًا وتدمر 428 مسيرة و36 صاروخًا”. صحيفة الوطن.

https://www.alwatan.com.sa/article/ا

  1. 12. البيان (2026، 2 أبريل). “الدفاعات الإماراتية تعترض 19 صاروخًا باليستيًّا و26 مسيرة”.

https://www.albayan.ae/news/2026-04-02-1.123456

  1. 13. وكالة الأناضول (2026، 2 أبريل). “5735 صاروخًا ومسيرة.. حصيلة 33 يومًا من هجمات إيران على 7 دول عربية

https://www.aa.com.tr/ar/

  1. Gazeta Express (2026، 17 مارس). “Human Rights Watch: ‘Iran has unlawfully targeted civilians’ in Gulf states”.

https://www.gazetaexpress.com/en/Human-Rights-Watch-Iran-has-unlawfully-targeted-civilians-in-Gulf-states/

  1. 15. الجزيرة نت (2026، 25 مارس). “المجلس الأممي لحقوق الإنسان يتبنى قرارا بشأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج”.

 https://www.aljazeera.net/news/2026/3/25/

  1. 16. رويترز (2026، 25 مارس). “دول خليجية للأمم المتحدة: ضربات إيران تشكل تهديدًا وجوديًّا

“. https://www.reuters.com/ar/world/gulf-arab-states-tell-un-iran-strikes-existential-threat-2026-03-25/

  1. 17. الشرق الأوسط (2026، 28 مارس). “ظافر العجمي: طهران تكتب رسائل لواشنطن برماد أصولنا المدنية”.

https://aawsat.com

  1. 18. رويترز (2026، 9 أبريل). “هجمات تقلص إنتاج النفط وتدفقه عبر خط شرق-غرب بالسعودية”.

https://www.reuters.com/ar/business/H4O2AG67XJKPRP46ZJYTY6FN54-2026-04-09/

  1. 19. الجزيرة نت (2026، 19 مارس). “حرائق في منشآت طاقة خليجية إثر هجمات إيرانية””.

https://www.aljazeera.net/news/2026/3/19/

  1. Asharq Business (2026، 18 مارس). “قطر: هجوم إيراني يسبب أضرارًا جسيمة بمحطة رأس لفان للغاز”

https://asharqbusiness.com/power/124479

  1. 21. رويترز (2026، 18 مارس). “قطر تعتبر استهداف منشآت غاز إيرانية خطوة خطرة وغير مسؤولة

https://www.reuters.com/ar/world/qatar-condemns-iranian-gas-facility-strikes-2026-03-18/

  1. 22. رويترز (2026، 19 مارس). “الإمارات تعلن تفكيك “شبكة إرهابية” ممولة من إيران وحزب الله”.

https://www.reuters.com/ar/world/K5Q2XXMMABOJFKXUL3IUEVN5UY-2026-03-19/

  1. 23. الجزيرة نت (2026، 20 مارس). “الإمارات تعلن تفكيك “شبكة إرهابية” ممولة من حزب الله وإيران”.

https://www.aljazeera.net/news/2026/3/20/

  1. 24. الحرة (2026، 24 مارس). “خلايا إيران وحزب الله في الخليج”.

https://alhurra.com/16975

  1. 25. المجلة (2026، 21 مارس). “”شبكات الظل” الإيرانية… الاستخبارات الخليجية تفكك “خلايا نائمة” أيقظتها الحرب”.

https://www.majalla.com/node/330202/

  1. CNN بالعربية (2026، 26 مارس). “البحرين تكشف تفاصيل تحقيقاتها مع خلايا متهمة بالتخابر مع الحرس الثوري”.

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/03/26/bahrain-investigations-cells-collaborated-revolutionary-guard

  1. 27. العربية (2026، 29 مارس). “ما الذي تستهدفه خلايا “الحرس الثوري” في الخليج؟”.

https://www.alarabiya.net/politics/2026/03/29/

  1. 28. الجزيرة نت (2026، 4 مارس). “قطر تعتقل خليتين تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني”.

https://www.aljazeera.net/news/2026/3/4/

  1. 29. وكالة الأنباء القطرية (قنا) (2026، 4 مارس). “قطر تعلن القبض على خليتين تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني”.

 https://www.qna.org.qa/ar/news/2026-03-04/

  1. 30. وكالة الأنباء الكويتية (كونا) (2026، 18 مارس). “الكويت تعلن تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله”.

 https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=123456

  1. Associated Press (2026، 10 مارس). “US intelligence intercepts Iranian encrypted message that may activate sleeper cells”. https://apnews.com/article/iran-sleeper-cells-encrypted-message-cia-2026
  2. TV Delmarva (2026، 13 مارس). “Gulf States Uncover Iranian Spy Networks Recording Military Strikes”.

https://tvdelmarva.com/news/2026/03/13/gulf-states-uncover-iranian-spy-networks-recording-military-strikes/

المواضيع ذات الصلة